بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 65

يلذعه بهذه المكاره ؟ قيل : إذاً كان يكون غير محمود على حسنة يأتيها ولا مستحقّ
للثواب عليها .

فإن قالوا : وما كان يضرّه أن لا يكون محموداً على الحسنات مستحقّاً للثواب
بعد أن يصير إلى غاية النعيم واللّذّة ؟ قيل لهم : اعرضوا على امرء صحيح الجسم والعقل
أن يجلس منعماً ويكفى كلّ ما يحتاج إليه بلا سعي ولا استحقاق ، فانظر هل تقبل نفسه
ذلك ؟ بل ستجدونه بالقليل ممّا يناله بالسعي والحركة أشدّ اغتباطاً وسروراً منه بالكثير
ممّا يناله بغير الاستحقاق ، وكذلك نعيم الآخرة أيضاً يكمل لأهله بأن ينالوه بالسعي
فيه والاستحقاق له فالنعمة على الإنسان في هذا الباب مضاعفة ، بأن اُعدّ له الثواب الجزيل
على سعيه في هذه الدنيا ، وجعل له السبيل إلى أن ينال بسعي واستحقاق فيكمل له
السرور والاغتباط بما يناله منه .

فإن قالوا : أوليس قد يكون من الناس من يركن إلى ما نال من خير وإن كان لا
يستحقّه ؟ فما الحجّة في منع من رضي أن ينال نعيم الآخره على هذه الجملة ؟ (1) قيل
لهم : إنّ هذا باب لو صحّ للناس لخرجوا إلى غاية الكلب والضرواة على الفواحش و
انتهاك المحارم ؛ فمن كان يكفّ نفسه عن فاحشة أو يتحمّل المشقّة في باب من أبواب
البرّ لو وثق بأنّه صائر إلى النعيم لا محالة ؟ أو من كان يأمن على نفسه وأهله وماله من
الناس لو لم يخافوا الحساب والعقاب ؟ فكان ضرر هذا الباب سينال الناس في هذه الدنيا
قبل الآخرة ، فيكون في ذلك تعطيل العدل والحكمة معاً ، وموضع للطعن على التدبير
بخلاف الصواب ووضع الاُمور غير مواضعها .

وقد يتعلّق هؤلاء بالآفات الّتي تصيب الناس فتعمّ البرّ والفاجر ، أو يبتلي بها البرّ
ويسلم الفاجر منها ، فقالوا : كيف يجوز هذا في تدبير الحكيم وما الحجّة فيه ؟ فيقال لهم :
إنَّ هذه الآفات وإن كانت تنال الصالح والطالح جميعاً ، فإنَّ الله جعل ذلك صلاحاً للصنفين
كليهما : أمّا الصالحون فإنَّ الّذي يصيبهم من هذا يردّهم (2) نعم ربّهم عندهم في سالف

أيّامهم فيحدوهم ذلك على الشكر والصبر ؛ وأمّا الطالحون فإنَّ مثل هذا إذا نالهم
كسر شرتهم ، وردعهم عن المعاصي الفواحش ، وكذلك يجعل لمن سلم منهم من الصنفين
صلاحاً في ذلك : أمّا الأبرار فإنّهم يغتبطون بما هم عليه من البرّ والصلاح ويزدادون
فيه رغبة وبصيرة . وأمّا الفجّار فإنّهم يعرفون رأفة ربّهم (3) وتطوّله عليهم بالسلامة
من غير استحقاقهم (4) فيحضّهم ذلك على الرأفة بالناس والصفح عمّن أساء إليهم .

ولعلّ قائلاً يقول : إنّ هذه الآفات الّتي تصيب الناس في أموالهم ، فما قولك
فيما يبتلون به في أبدانهم فيكون فيه تلفهم ، كمثل الحرق والغرق والسيل والخسف ؟
فيقال لهم : إنَّ الله جعل في هذا أيضاً صلاحاً للصنفين جميعاً : أمّا الأبرار فلما لهم في
مفارقة هذه الدنيا من الراحة من تكاليفها والنجاة من مكارهها ؛ وأمّا الفجّار فلما
لهم في ذلك من تمحيص أوزارهم وحبسهم عن الازدياد منها . وجملة القول أنَّ الخالق
تعالى ذكره بحكمته وقدرته قد يصرّف هذه الاُمور كلّها إلى الخيرة والمنفعة فكما أنّه
إذا قطعت الريح شجرة أو قطعت نخلة أخذها الصانع الرفيق واستعملها في ضروب من
المنافع فكذلك يفعل المدبّر الحكيم في الآفات الّتي تنزل بالناس في أبدانهم وأموالهم
فيصيّرها جميعاً إلى الخيرة والمنفعة .

فإن قال : ولمَ يحدث على الناس ؟ قيل له : لكيلا يركنوا إلى المعاصي من طول
السلامة فيبالغ الفاجر في ركوب المعاصي ، ويفتر الصالح عن الاجتهاد في البرّ ، فإنّ هذين
الأمرين جميعاً يغلبان على الناس في حال الخفض (5) والدعة ، (6) وهذه الحوادث الّتي
تحدث عليهم تردعهم (7) وتنبّههم على ما فيه رشدهم ، فلو أخلوا منهما لغلوا في الطغيان
والمعصية كما على الناس في أوَّل الزمان حتّى وجب عليهم البوار بالطوفان وتطهير الأرض
منهم .

________________________

(1) وفي نسخة : على هذه الخلة .

(2) كذا في النسخ والظاهر : يذكرهم

(3) وفي نسخة : فانهم يعرفون رحمة ربهم .

(4) وفي نسخة : من غير استحقاق .

(5) خفض العيش : سهل وكان هنيئاً .

(6) الراحة وخفض العيش .

(7) وفي نسخة : وهذه الحوادث التي تحدث عليهم تروعهم