بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 64

المجلس الرابع : قال المفضّل : فلمّا كان اليوم الرابع بكّرت إلى مولاي فاستوذن
لي فأمرني بالجلوس فجلست ، فقال عليه‌السلام : منّا التحميد والتسبيح والتعظيم والتقديس
للاسم الأقدم ، والنور الأعظم العليّ العلّام ، ذي الجلال والإكرام ، ومنشىء الأنام ،
ومفتي العوالم والدهور ، وصاحب السرّ المستور والغيب المحظور ، والاسم المخزون
والعلم المكنون ؛ وصلواته وبركاته على مبلّغ وحيه ، ومؤدّي رسالته ، الّذي ابتعثه
بشيراً ونذيراً ، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى
من حيَّ عن بيّنة ، فعليه وعلى آله من بارئه الصوات الطيّبات والتحيّات الزاكيات
الناميات ، وعليه وعليهم السلام والرحمة والبركات في الماضين والغابرين أبد الآبدين
ودهر الداهرين وهم أهله ومستحقّه .

قد شرحت لك يا مفضّل من الأدلّة على الخلق والشواهد على صواب التدبير
والعمد في الإنسان والحيوان والنبات والشجر وغير ذلك ما فيه عبرة لمن اعتبر ؛ وأنا
أشرح لك الآن الآفات الحادثة في بعض الأزمان الّتي اتّخذها اُناس من الجهّال
ذريعة إلى جحود الخالق والخلق والعمد والتدبير ، وما أنكرت المعطّلة والمنانيّة (1) من
المكاره والمصائب وما أنكروه من الموت والفناء ، وما قاله أصحاب الطبائع ، ومن زعم
أنَّ كون الأشياء بالعرض والاتّفاق ليتّسع ذلك القول في الردّ عليهم ، قاتلهم الله أنّى
يؤفكون ؟ .

اتّخذ اُناس من الجهّال هذه الآفات الحادثة في بعض الأزمان كمثل الوباء و
اليرقان (2) والبرد والجراد ذريعة إلى جحود الخلق والتدبير والخالق ؛ فيقال في جواب
ذلك : إنّه إن لم يكن خالق ومدبّر فلمَ لا يكون ما هو أكثر من هذا وأفظع ؟ فمن ذلك
أن يسقط السماء على الأرض وتهوي الأرض فتذهب سفلاً ، وتتخلّف الشمس عن
الطلوع أصلاً ، وتجفّ الأنهار والعيون حتّى لا يوجد ماء للشفة ، وتركد الريح حتّى

تحمّ الأشياء وتفسد ، ويفيض ماء البحر على الأرض فيغرقها . ثمَّ هذه الآفات الّتي
ذكرناها من الوباء والجراد وما أشبه ذلك ما بالها لا تدوم وتمتدّ حتّى تجتاح كلّ ما
في العالم ؟ بل تحدث في الأحايين ، ثمَّ لا تلبث أن ترفع ؟ أفلا ترى أنّ العالم يصان ويحفظ
من تلك الأحداث الجليلة الّتي لو حدث عليه شيء منها كان فيه بواره ، ويلذع (3)
أحياناً بهذه الآفات اليسيرة لتأديب الناس وتقويمهم ، ثمَّ لا تدوم هذه الآفات بل تكشف
عنهم عند القنوط منهم فتكون وقوعها بهم موعظة وكشفها عنهم رحمة .

وقد أنكرت المعطّلة ما أنكرت المنانيّة (4) من المكاره والمصائب الّتي تصيب
الناس ، فكلاهما يقول : إن كان للعالم خالق رؤوف رحيم فلمَ يحدث فيه هذه الاُمور
المكروهة ؟ والقائل بهذا القول يذهب به إلى أنّه ينبغي أن يكون عيش الإنسان في هذه
الدنيا صافياً من كلّ كدر ، ولو كان هكذا كان الإنسان سيخرج من الأشر والعتوّ
إلى ما لا يصلح في دين ودنيا كالّذي ترى كثيراً من المترفين ومن نشأ في الجدة والأمن
يخرجون إليه حتّى أنَّ أحدهم ينسى أنّه بشر أو أنّه مربوب أو أنّ ضرراً يمسّه ، أو أنّ
مكروهاً ينزل به ، أو أنّه يجب عليه أن يرحم ضعيفاً أو يواسي فقيراً . أو يرثي لمبتلى (5)
أو يتحنّن على ضعيف ، أو يتعطّف على مكروب ، فإذا عضّته المكاره ووجد مضضها
اتّعظ وأبصر كثيراً ممّا كان جهله وغفل عنه ، ورجع إلى كثير ممّا كان يجب عليه ، و
المنكرون لهذه الاُمور الموذية بمنزلة الصبيان الّذين يذمّون الأدوية المرّة البشعة ؛
ويتسخّطون من المنع من الأطعمة الضارّة ؛ ويتكرّهون الأدب والعمل ؛ ويحبّون أن
يتفرّغوا للّهو والبطالة ؛ وينالوا كلّ مطعم ومشرب ؛ ولا يعرفون ما تؤدّيهم إليه البطالة
من سوء النشوء والعادة وما تعقّبهم الأطعمة اللّذيذه الضارّة من الأدواء والأسقام ، وما
لهم في الأدب من الصلاح ، وفي الأدوية من المنفعة وإن شاب ذلك بعض الكراهة .

فإن قالوا : ولمَ لم يكن الإنسان معصوماً من المساوي حتّى لا يحتاج إلى أن

________________________

(1) الظاهر : المانوية .

(2) اليرقان : مرض معروف يصيب الناس ويسبب اصفرار الجلد ، وآفة للزرع ، أو دود يسطو
على الزرع ولعل المراد المعنى الثاني لذكره قبل ذلك .

(3) يلذع بالذال المعجمة والعين المهملة : يوجع ويولم . وفي بعض النسخ يلدغ بالدال المهملة
والغين المعجمة أي يلسع .

(4) كذا في النسخ والظاهر : المانوية .

(5) أي يرق ويرحم له .