بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 63

مع ذلك متانة ليصلح لما يتّخذ منه من الآلات فإنّه لو كان مستحصفاً (1) كالحجارة لم
يمكن أن يستعمل في السقوف وغير ذلك ممّا يستعمل فيه الخشبة كالأبواب والأسرّة
والتوابيت وما أشبه ذلك . ومن جسيم المصالح في الخشب أنّه يطفو على الماء فكلّ
الناس يعرف هذا منه وليس كلّهم يعرف جلالة الأمر فيه ؛ فلولا هذه الخلّة كيف كانت هذه
السفن والأظراف تحمل أمثال الجبال من الحمولة ، وأنّى كان ينال الناس هذا الوفق (2)
وخفّة المؤونة في حمل التجارات من بلد إلى بلد ؟ وكانت تعظم المؤونة عليهم في حملها
حتّى يلقى كثير ممّا يحتاج إليه في بعض البلدان مفقوداً أصلاً أو عسراً وجوده .

فكّر في هذه العقاقير وما خصّ بها كلّ واحد منها من العمل في بعض الأدواء فهذا
يغور في المفاصل فيستخرج الفضول الغليظة مثل الشيطرج ، (3) وهذا ينزف المرّة
السوداء مثل الأفتيمون ، (4) وهذا ينفي الرياح مثل السكبينج ، وهذا يحلّل الأورام
وأشباه هذا من أفعالها فمن جعل هذه القوى فيها إلّا من خلقها للمنفعة ؟ ومن فطّن الناس
بها إلّا من جعل هذا فيها ؟ ومتى كان يوقف على هذا منها بالعرض والاتّفاق كما قال قائلون ؟
وهب الإنسان فطن لهذه الأشياء بذهنه ولطيف رويّته وتجاربه فالبهائم كيف فطنت
لها ؟ حتّى صار بعض السباع يتداوى من جراحه إن أصابته ببعض العقاقير فيبرأ ، وبعض
الطير يحتقن من الحصر يصيبه بماء البحر فيسلم ، وأشباه هذا كثير . ولعلّك تشكّك
في هذا النبات النابت في الصحاري والبراري حيث لا اُنس ولا أنيس فتظنّ أنّه فضل
لا حاجة إليه وليس كذلك بل هو طُعم لهذه الوحوش ، وحبّه علف للطير ، وعوده و
أفنانه حطب فيستعمله الناس ، وفيه بعدُ أشياء تعالج به الأبدان ، واُخرى تدبغ به الجلود
واُخرى تصبغ به الأمتعة ، وأشباه هذا من المصالح . ألست تعلم أنّ أخسّ النبات وأحقره

هذا البردي (5) وما أشبهها ؛ ففيها مع هذا من ضروب المنافع فقد يتّخذ من البردي
القراطيس الّتي يحتاج إليها الملوك والسوقة ، والحُصُر الّتي يستعملها كلّ صنف من
الناس ، وليعمل منه الغلف الّتي يوقى بها الأواني ، ويجعل حشواً بين الظروف في
الأسفاط (6) لكيلا تعيب وتنكسر ، وأشباه هذا من المنافع .

فاعتبر بما ترى من ضروب المآرب في صغير الخلق وكبيره وبما له قيمة وما لا قيمة
له ، وأخسّ من هذا وأحقره الزبل والعذرة الّتي اجتمعت فيها الخساسة والنجاسة
معاً ، وموقعها من الزروع والبقول والخضر أجمع الموقع الّذي لا يعدله شيء حتّى
أنّ كلّ شيء من الخضر لا يصلح ولا يزكو إلّا بالزبل والسماد الّذي يستقذره الناس و
يكرهون الدنوّ منه ؛ واعلم أنّه ليس منزلة الشيء على حسب قيمته ، بل هما قيمتان
مختلفتان بسوقين ، وربّما كان الخسيس في سوق المكتسب نفيساً في سوق العلم فلا تستصغر
العبرة في الشيء لصغر قيمته ، فلو فطنوا طالبوا الكيميا لما في العذرة لاشتروها بأنفس
الأثمان وغالوا بها .

قال المفضّل : وحان وقت الزوال فقام مولاي إلى الصلاة وقال : بكّر إليَّ غداً
إن شاء الله ؛ فانصرفت وقد تضاعف سروري بما عرّفنيه مبتهجاً بما آتانيه ، حامداً لله على
ما منحنيه فبتُّ ليلتي مسروراً .

بيان : قوله عليه‌السلام : ليصلح بيان لما يتحصّل ممّا مرّ لا للمتانة فقط . والنزف :
النزح : قوله عليه‌السلام : هب الإنسان أي سلّمنا أنّه كذلك . والحصر بالضمّ : اعتقال البطن .
والسوقة بالضمّ : الرعيّة للواحد والجمع والمذكّر والمؤنّث . والغلف بضمّة وبضمّتين
وكركّع : جمع غلاف . والزبل بالكسر : السرقين . وقال الفيروزآباديُّ : السماد : السرقين
برماد وقال الجزريّ : هو ما يطرح في اُصول الزرع والخضر من العذرة والزبل ليجوّد
نباته . أقول : يدلّ ظاهراً على جواز استعمال العذرات النجسة في ذلك وربّما يستدلّ
به على تطهير الاستحالة .

________________________

(1) أي مستحكما ، والحصيف : كل محكم لا خلل فيه .

(2) في نسخة : هذا الرفق .

(3) وفي كتب الطب أنه يزيل الطحال أكلا وضماداً أيضا ، وتعليقه على الاذن الوجعة يسكن وجعها .

(4) وله منافع اخرى معدودة في كتب الطب كاسهاله البلغم والصفراء ، ونفعه من الصرع والتشنج
الامتلائي ، والنفخ واصحاب السرطان والجرب وغير ذلك ، كما أن للسكبينج منافع اخرى مبينة في محله .

(5) البردي : نبت رخو ينبت في ديار المصر كثيراً ، يمضغ أصله كقصب السكر ويتخذ منه القرطاس
وقيل : له ورق كخوص النخل ، فارسيه نوخ .

(6) جمع السفط : وعاء كالقفة أو الجوالق .