بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 61

الدائم كحاجة الحيوان ولم يكن لها أفواه كأفواه الحيوان ولا حركة تنبعث بها لتناول
الغذاء جعلت اُصولها مركوزة في الأرض لتنزع منها الغذاء فتؤدّيه إلى الأغصان وما
عليها من الورق والثمر فصارت الأرض كالاُمّ المربّية لها ، وصارت اُصولها الّتي هي
كالأفواه ملتقمة للأرض (1) لتنزع منها الغذاء كما يرضع أصناف الحيوان اُمّهاتها .

ألا ترى إلى عمد الفساطيط والخيم كيف تمدّ بالأطناب من كلّ جانب لتثبت منتصبة
فلا تسقط ولا تميل فهكذا تجد النبات كلّه له عروق منتشرة في الأرض ممتدّة إلى كلّ
جانب لتمسكه وتقيمه ، ولولا ذلك كيف كان يثبت هذا النخل الطوال والدوح العظام
في الريح العاصف ، فانظر إلى حكمة الخلقة كيف سبقت حكمة الصناعة فصارت الحيلة
الّتي تستعملها الصنّاع في ثبات الفساطيط والخيم متقدّمة في خلق الشجر لأنّ خلق
الشجر قبل صنعة الفساطيط والخيم ألا ترى عمدها وعيدانها من الشجر ؟ فالصناعة مأخوذة
من الخلقة .

بيان : ينسفه بالكسر أي يقلعه . وبشم الحيوان بشماً من باب تعب : اتّخم من
كثرة الأكل . والكدح : العمل والسعي . والشقا : الشدّة والعسر شقى كرضى . والدوح
بفتح الدال وسكون الواو جمع الدوحة ، وهي الشجرة العظيمة .

تأمّل يا مفضّل خلق الورق فإنّك ترى في الورقة شبه العروق مبثوثة فيها أجمع فمنها
غلاظ ممتدّة في طولها وعرضها ، ومنها دقاق تتخلّل الغلاظ منسوجة نسجاً دقيقاً معجماً
لو كان ممّا يصنع بالأيدي كصنعة البشر لما فرغ من ورق شجرة واحدة في عام كامل ،
ولاُحتيج إلى آلات وحركة وعلاج وكلام فصار يأتي منه في أيّام قلائل من الربيع ما
يملأ الجبال والسهل وبقاع الأرض كلّها بلا حركة ولا كلام إلّا بالإرادة النافذة في كلّ
شيء والأمر المطاع .

واعرف مع ذلك العلّة في تلك العروق الدقاق فإنّها جعلت تتخلّل الورقة
بأسرها لتسقيها وتوصل الماء إليها بمنزلة العروق المبثوثة في البدن لتوصل الغذاء إلى
كلّ جزء منها وفي الغلاظ منها معنىً آخر فإنّها تمسك الورقة بصلابتها ومتانتها لئلّا

 

تنهتك وتتمزّق فترى الورقة شبيهة بورقة معمولة بالصنعة من خرق قد جعلت فيها عيدان
ممدودة في طولها وعرضها للتتماسك فلا تضطرب فالصناعة تحكي الخلقة وإن كانت لا
تدركها على الحقيقة .

فكّر في هذا العجم والنوى والعلّة فيه فإنّه جعل في جوف الثمرة ليقوم مقام الغرس إن
عاق دون الغرس عائق ، كمايحرز الشيء النفيس الّذي تعظم الحاجة إليه في مواضع
آخر ، فإن حدث على الّذي في بعض المواضع منه حادث وُجد في موضع آخر ، ثمَّ
بعدُ يمسك بصلابته رخاوة الثمار ورقّتها ، ولولا ذلك لتشدّخت وتفسّخت وأسرع إليه
الفساد ، وبعضه يؤكل ويستخرج دهنه فيستعمل منه ضروب من المصالح ، وقد تبيّن
لك موضع الإرب في العجم والنوى .

فكّر الآن في هذا الّذي تجده فوق النواة من الرطبة وفوق العجم من العنبة فما
العلّة فيه ؟ ولماذا يخرج في هذه الهيئة ؟ وقد كان يمكن أن يكون مكان ذلك ما ليس
فيه مأكلٌ كمثل ما يكون في السرو والدلب وما أشبه ذلك ، فلمَ صار يخرج فوقه هذه
المطاعم اللّذيذه إلّا ليستمتع بها الإنسان ؟ .

فكّر في ضروب من التدبير في الشجر فإنّك تراه يموت في كلّ سنة موته ، فيحتبس
الحرارة الغريزيّة في عوده ويتولّد فيه موادّ الثمار ثمّ تحيى وتنتشر فتأتيك بهذه الفواكه
نوعاً بعد نوع كما تقدّم إليك أنواع الأطبخة (2) الّتي تعالج بالأيدي واحداً بعد واحد ،
فترى الأغصان في الشجر تتلقّاك بثمارها حتّى كأنّها تناولكها عن يد وترى الرياحين
تلقّاك في أفنانها كأنّها تجيئك بأنفسها ، فلمن هذا التقدير إلّا لمقدّر حكيم ؟ وما العلّة
فيه إلّا تفكية الإنسان بهذه الثمار الأنوار ؟ (3) والعجب من اُناس جعلوا مكان الشكر
على النعمة جحود المنعم بها ! .

اعتبر بخلق الرمّانة وما ترى فيها من أثر العمد والتدبير فإنّك ترى فيها كأمثال
التلال من شحم مركوم في نواحيها ، وحبّاً مرصوفاً رصفاً كنحو ما ينضد بالأيدي (4)

________________________

(1) التقم الطعام : ابتلعه أوفى مهلة

(2) وفي نسخة : كما تقدم إليك أنواع الاخبصة .

(3) وفي نسخة : تفكه الانسان بهذه الثمار والانوار .

(4) أي كنحو ما يضم بعضه إلى بعض متسقا بالايدي .