بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 56

أي تسوقه . وتفضّه أي تفرّقه . والتفشّي : الانتشار . وترخي الأطعمة ـ على التفعيل
أو الإفعال أي تصيرها رخوة لطيفة . وتشبَّ النار أي توقّدها .

فكّر يا مفضّل فيما خلق الله عزَّ وجلَّ عليه هذه الجواهر الأربعة ليتّسع ما يحتاج
إليه منها ، فمن ذلك سعة هذه الأرض وامتدادها فلولا ذلك كيف كانت تتّسع لمساكن
الناس ومزارعهم ومراعيهم ومنابت أخشابهم وأحطابهم ، والعقاقير العظيمة ، والمعادن
الجسيمة غناؤها ، ولعلّ من ينكر هذه الفلوات الخاوية والقفار الموحشة فيقول : ما
المنفعة فيها ؟ فهي مأوى هذه الوحوش ومحالّها ومرعاها ثمَّ فيها بعد متنفّس ومضطرب
للناس إذا احتاجوا إلى الاستبدال بأوطانهم ؛ فكم بيداءٍ وكم فدفد حالت قصوراً وجناناً
بانتقال الناس إليها وحلولهم فيها ، ولولا سعة الأرض وفسحتها لكان الناس كمن هو في
حصار ضيّق لا يجد مندوحة عن وطنه إذا حزبه أمر يضطرّه إلى الانتقال عنه .

ثمَّ فكّر في خلق هذه الارض على ما هي عليه حين خلقت راتبة فتكون موطناً
مستقرّاً للأشياء فيتمكّن الناس من السعي عليها في مآربهم ، والجلوس عليها لراحتهم ،
والنوم لهدئهم ، والإتقان لأعمالهم فإنّها لو كانت رجراجة متكفّئة لم يكونوا
يستطيعون أن يتقنوا البناء والتجارة والصناعة وما أشبه ذلك ، بل كانوا لا يتهنّؤون
بالعيش والأرض ترتجّ من تحتهم ؛ واعتر ذلك بما يصيب الناس حين الزلازل على قلّة
مكثها حتّى يصيروا إلى ترك منازلهم والهرب عنها .

فإن قال قائل : فلم صارت هذه الأرض تزلزل ؟ قيل له : إنّ الزلزلة وما أشبهها
موعظة وترهيب يرهّب بها الناس ليرعووا وينزعوا عن المعاصي ، وكذلك ما ينزل بهم من
البلاء في أبدانهم وأموالهم يجري في التدبير على ما فيه صلاحهم واستقامتهم ، ويدّخر لهم
إن صلحوا من الثواب والعوض في الآخرة ما لا يعدله شيء من اُمور الدنيا ، وربّما عجّل
ذلك في الدنيا إذا كان ذلك في الدنيا صلاحاً للخاصّة والعامّة .

ثمَّ إنَّ الأرض في طباعها الّذي طبعها الله عليه باردة يابسة وكذلك الحجارة و
إنّما الفرق بينها وبين الحجارة فضل يبس في الحجارة ، أفرأيت لو أنّ اليبس أفرط على
الأرض قليلاً حتّى تكون حجراً صلداً أكانت تنبت هذا النبات الّذي به حياة الحيوان ؟

وكان يمكن بها حرث أو بناء ؟ أفلا ترى كيف تنصب (1) من يبس الحجارة وجعلت على
ما هي عليه من اللّين والرخاوة ولتهيّأ للاعتماد ؟ .

ومن تدبير الحكيم جلّ وعلا في خلقة الأرض أنّ مهبّ الشمال أرفع من مهبّ
الجنوب فلمَ جعل الله عزَّ وجلَّ كذلك إلّا لينحدر المياه على وجه الأرض فتسقيها و
ترويها ؟ ثمَّ تفيض آخر ذلك إلى البحر فكأنّما يرفع أحد جانبي السطح (2) ويخفض
الآخر لينحدر الماء عنه ولا يقوم عليه كذلك جعل مهبّ الشمال أرفع من مهبّ الجنوب
لهذه العلّة بعينها ، ولولا ذلك لبقي الماء متحيّراً على وجه الأرض فكان يمنع الناس من
إعمالها (3) ويقطع الطرق والمسالك ؛ ثمَّ الماء لولا كثرته وتدفّقه في العيون والأودية و
الأنهار لضاق عمّا يحتاج الناس إليه لشربهم وشرب أنعامهم ومواشيهم ، وسقي زروعهم
وأشجارهم وأصناف غلّاتهم ، وشرب ما يرده من الوحوش والطير والسباع وتتقلّب فيه
الحيتان ودوابّ الماء ؛ وفيه منافع آخر أنت بها عارف وعن عظم موقعه غافل فإنّه سوى
الأمر الجليل المعروف من غنائه في إحياء جميع ما على الأرض من الحيوان والنبات يمزج
بالأشربة فتلين وتطيب لشاربها ، وبه تنظف الأبدان والأمتعة من الدرن الّذي يغشاها ،
وبه يبلُّ التراب فيصلح للاعتمال (4) وبه يكفّ عادية النار إذا اضطرمت وأشرف الناس
على المكروه ، وبه يسيغ الغصّان ما غصّ به ، وبه يستحمّ المتعب الكالّ فيجد الراحة
من أوصابه ، إلى أشباه هذا من المآرب الّتي تعرف عظم موقعها في وقت الحاجة إليها .

فإن شككت في منفعة هذا الماء الكثير المتراكم في البحار وقلت : ما الإرب فيه ؟
فاعلم أنّه مكتنف ومضطرب ما لا يحصى : من أصناف السمك ودوابّ البحر ، ومعدن
اللؤلؤ والياقوت والعنبر ، وأصناف شتّى تستخرج من البحر ، وفي سواحله منابت العود
واليلنجوج ، وضروب من الطيب والعقاقير ؛ ثمَّ هو بعدُ مركب الناس ومحملٌ لهذه التجارات
الّتي تجلب من البلدان البعيدة كمثل ما يجلب من الصين إلى العراق ، ومن العراق
________________________

(1) وفي نسخة : نقصت .

(2) كذا في النسخ والظاهر : فكما يرفع أحد جانبي السطح .

(3) وفي نسخة : فكان يمنع الناس من اعتمالها .

(4) وفي نسخة : فيصلح للاعمال .