بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 53

فإن قال قائل : ولم صار بعض النجوم راتباً وبعضها منتقلاً ؟ قلنا : إنّها لو كانت
كلّها راتبةً لبطلت الدلالات الّتي يستدلّ بها من تنقّل المنتقلة ومسيرها في كلّ برج من
البروج ؛ كما قد يستدلّ على أشياء ممّا يحدث في العالم بتنقّل الشمس والنجوم في منازلها ،
ولو كانت كلّها منتقلة لم يكن لمسيرها منازل تعرف ولا رسم يوقف عليه لأنّه إنّما يوقف
بمسير المنتقلة منها بتنقّلها في البروج الراتبة كما يستدلّ على سير السائر على الأرض
بالمنازل الّتي يجتاز عليها ، ولو كان تنقّلها بحال واحدة لاختلط نظامها وبطلت المآرب
فيها ، ولساغ لقائل أن يقول : إنّ كينونتها (1) على حال واحدة توجب عليها الإهمال
من الجهة الّتي وصفنا ففي اختلاف سيرها وتصرّفها وما في ذلك من المآرب والمصلحة
أبين دليل على العمد والتدبير فيها .

فكّر في هذه النجوم الّتي تظهر في بعض السنة وتحتجب في بعضها كمثل الثريّا
والجوزاء والشِعريين وسهيل فإنّها لو كانت بأسرها تظهر في وقت واحد لم تكن لواحد
فيها على حياله دلالات يعرفها الناس ويهتدون بها لبعض اُمورها كمعرفتهم الآن بما
يكون من طلوع الثور والجوزاء إذا طلعت ، واحتجابها إذا احتجبت فصار ظهور كلّ
واحد واحتجابه في وقت غير وقت الآخر لينتفع الناس بما يدلّ عليه كلّ واحد منها
على حدته ، وكما جعلت الثريّا وأشباهها تظهر حيناً وتحجب حيناً لضرب من المصلحة كذلك
جعلت بنات النعش ظاهرة لا تغيب لضرب آخر من المصلحة فإنّها بمنزلة الأعلام الّتي
يهتدي بها الناس في البرّ والبحر للطرق المجهولة ، وذلك أنّها لا تغيب ولا تتوارى ؛ فهم
ينظرون إليها متى أرادوا أن يهتدوا بها إلى حيث شاؤوا وصار الأمران جميعاً على اختلافهما
موجّهين نحو الإرب والمصلحة ، وفيهما مآرب اُخرى : علامات ودلالات على أوقات
كثيرة من الأعمال كالزراعة والغراس والسفر في البرّ والبحر ؛ وأشياء مما يحدث في الأزمنة
من الأمطار والرياح والحرّ والبرد ، وبها يهتدي السائرون في ظلمة اللّيل لقطع القفار (2)

الموحشة ، واللّجج الهائلة ، مع ما في تردّدها في كبد السماء (3) مقبلة ومدبرة ومشرقة
ومغربة من العبر فإنّها تسير أسرع السير وأحثّه .

أرأيت لو كانت الشمس والقمر والنجوم بالقرب منّا حتّى يتبيّن لنا سرعة سيرها
بكنه ما هي عليه ألم تكن ستخطف الأبصار بوهجها وشعاعها ؟ (4) كالّذي يحدث أحياناً
من البروق إذا توالت واضطرمت في الجوّ ، وكذلك أيضاً لو أنّ اُناساً كانوا في قبّة
مكلّلة بمصابيح تدور حولهم دوراناً حثيثاً لحارت أبصارهم (5) حتّى يخرُّوا لوجوههم
فانظر كيف قدّر أن يكون مسيرها في البعد البعيد لكيلا تضرّ في الأبصار وتنكأ فيها ،
وبأسرع السرعة لكيلا تتخلّف عن مقدار الحاجه في مسيرها ، وجعل فيها جزء يسير من
الضوء ليسدّ مسدّ الأضواء إذا لم يكن قمر ، ويمكن فيه الحركة إذا حدثت ضرورة كما
قد يحدث الحادث على المرء فيحتاج إلى التجافي في جوف اللّيل ، وإن لم يكن شيء من
الضوء يهتدي به لم يستطع أن يبرح مكانه فتأمّل اللّطف والحكمة في هذا التقدير حين
جعل للظلمة دولة ومدّة لحاجة إليها ، وجعل خلالها شيء من الضوء للمآرب الّتي وصفنا .

فكّر في هذا الفلك بشمسه وقمره ونجومه وبروجه تدور على العالم تفي هذا الدوران
الدائم بهذا التقدير والوزن لما في اختلاف اللّيل والنهار ، وهذه الأزمان الأربعة المتوالية
على الأرض ، وما عليها من أصناف الحيوان والنبات من ضروب المصلحة كالّذي بيّنت
وشخّصت (6) لك آنفاً ، وهل يخفى على ذي لبّ أنّ هذا تقدير مقدّر ، وصواب وحكمة
من مقدّر حكيم ؟ .

فإن قال قائل : إنّ هذا شيء اتّفق أن يكون هكذا فما منعه أن يقول مثل هذا
في دولاب تراه يدور ويسقي حديقة فيها شجر ونبات ؟ فترى كلّ شيء من آلته مقدّراً بعضه
يلقى بعضاً على ما فيه صلاح تلك الحديقة وما فيها وبمَ كان يثبت هذا القول لو قاله ؟ و
ما ترى الناس كانوا قائلين له لو سمعوه منه ؛ أفينكر أن يقول في دولاب خشب (7)

________________________

(1) في نسخة : ان كينونيتها .

(2) جمع القفر : الخلاء من الارض ، لا ماء فيه ولا ناس ولا كلاء

(3) أي وسط السماء .

(4) أي ستذهب بها بتوقدها .

(5) حارت العين : اشتد بياض بياضها وسواد سوادها .

(6) وفي نسخة : كالذي بينت ولخصت لك آنفاً .

(7) وفي نسخة : في دولاب خسيس .