بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 51

المجلس الثالث : قال المفضّل : فلمّا كان اليوم الثالث بكّرت إلى مولاي
فاستوذن لي فدخلت فأذن لي بالجلوس فجلست ، فقال عليه‌السلام : الحمد لله الّذي اصطفانا
ولم يصطف علينا ، اصطفانا بعلمه ، وأيّدنا بحلمه ، من شذ عنّا (1) فالنار مأواه ، ومن
تفيّأ بظلّ دوحتنا فالجنّة مثواه ، قد شرحت لك يا مفضّل خلق الإنسان وما دبّر به و
تنقّله في أحواله وما فيه من الاعتبار ، وشرحت لك أمر الحيوان ، وأنا أبتدىء الآن
بذكر السماء والشمس والقمر والنجوم والفلك واللّيل والنهار والحرّ والبرد والرياح
والجواهر الأربعة : الأرض والماء والهواء والنار ؛ والمطر والصخر والجبال والطين و
الحجارة والمعادن والنبات والنخل والشجر وما في ذلك من الأدلّة والعبر .

فكّر في لون السماء وما فيه من صواب التدبير فإنّ هذا اللّون أشدّ الألوان
موافقة للبصر وتقوية حتّى أنّ من صفات الأطبّاء لمن أصابه شيء أضرّ ببصره إدمان النظر
إلى الخضرة وما قرب منها إلى السواد ، (2) وقد وصف الحذّاق منهم لمن كلَّ بصره
الإطلاع في إجّانة (3) خضراء مملوّة ماءاً ؛ فانظر كيف جعل الله جلّ وتعالى أديم السماء
بهذا اللّون الأخضر إلى السواد ليمسك الأبصار المنقلبة عليه فلا ينكأ فيها بطول مباشرتها
له فصار هذا الّذي أدركه الناس بالفكر والرويّة والتجارب يوجد مفروغاً منه في الخلقة
حكمة بالغة ليعتبر بها المعتبرون ، ويفكّر فيها الملحدون ، قاتلهم الله أنّى يؤفكون .

بيان : اصطفانا بعلمه أي اختارنا وفضّلنا على الخلق بأن أعطانا من علمه ما لم
يعط أحداً . وأيّدنا بحلمه أي قوّانا على تبليغ الرسالة بما حلّانا به من حلمه لنصبر
على ما يلقانا من أذى الناس وتكذيبهم . والدوحة : الشجرة العظيمة . والصخر : الحجر
العظام . وأديم السماء : وجهها ، كما يطلق أديم الأرض على وجهها ، ويمكن أن يكون
عليه‌السلام شبّهها بالأديم . وقوله عليه‌السلام : حكمة بالغة بالرفع خبر مبتدء محذوف ؛ أو بالنصب
بالحاليّة أو بكونه مفعولاً لأجله .

فكّر يا مفضّل في طلوع الشمس وغروبها لإقامة دولتي النهار واللّيل فلولا
طلوعها لبطل أمر العالم كلّه فلم يكن الناس يسعون في معايشهم ويتصرّفون في اُمورهم
والدنيا مظلمة عليهم ، ولم يكونوا يتهنّؤون بالعيش مع فقدهم لذّه النور وروحه ،
والإرب في طلوعها ظاهر مستغن بظهوره عن الإطناب في ذكره والزيادة في شرحه بل
تأمّل المنفعة في غروبها ؛ فلولا غروبها لم يكن للناس هدءٌ ولا قرار مع عظم حاجتهم إلى
الهدء والراحة لسكون أبدانهم وجموم حواسّهم وانبعاث القوّة الهاضمة لهضم الطعام
وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء ثمّ كان الحرص يستحملهم من مداومة العمل ومطاولته على ما
يعظم نكايته في أبدانهم فإنّ كثيراً من الناس لولا جثوم هذا الّليل لظلمته عليهم لم يكن
لهم هدءٌ ولا قرار حرصاً على الكسب والجمع والادّخار ثمّ كانت الأرض تستحمي بدوام
الشمس بضيائها وتحمي كلّ ما عليها من حيوان ونبات فقدّرها الله بحكمته وتدبيره
تطلع وقتاً وتغرب وقتاً بمنزلة سراج يرفع لأهل البيت تارة ليقضوا حوائجهم ثمّ يغيب
عنهم مثل ذلك ليهدؤوا ويقرُّوا فصار النور والظلمة مع تضادّهما منقادين متظاهرين
على ما فيه صلاح العالم وقوامه .

ثمّ فكّر بعد هذا في ارتفاع الشمس وانحطاطها لإقامة هذه الأزمنة الأربعه من
السنة ، وما في ذلك من التدبير والمصلحة ؛ ففي الشتاء تعود الحرراة في الشجر والنبات
فيتولّد فيهما موادُّ الثمار ، ويستكثف الهواء فينشأ منه السحاب والمطر ، وتشدُّ أبدان
الحيوان وتقوي ، وفي الربيع تتحرّك وتظهر الموادّ المتولّدة في الشتاء فيطلع النبات ، وتنوّر
الأشجار ، ويهيج الحيوان للسفاد ، وفي الصيف يحتدم الهواء فتنضج الثمار ، وتتحلّل
فضول الأبدان ، ويجفّ وجه الأرض فتهيّأ للبناء والأعمال ، وفي الخريف يصفو الهواء ،
ويرتفع الأمراض ، ويصحّ الأبدان ويمتدُّ اللّيل فيمكن فيه بعض الأعمال لطوله ، و
يطيب الهواء فيه إلى مصالح اُخرى لو تقصّيت لذكرها لطال فيها الكلام .

فكّر الآن في تنقّل الشمس في البروج الإثنى عشر لإقامه دور السنة ، وما في
ذلك من التدبير فهو الدور الّذي تصحّ به الأزمنة الأربعة من السنة : الشتاء ، والربيع ،
والصيف ، والخريف ؛ ويستوفيها على التمام ، وفي هذا المقدار من دوران الشمس تدرك

________________________

(1) أي تحزّب وانفرد عنا .

(2) إدمان النظر : إدامته .

(3) الاجّانة : إناء تغسل فيه الثياب .