بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 50

متى كان يجتمع منه هذه الكثرة ، وفي كم من سنة كان يرتفع فاستدلّ بذلك على القدرة
الّتي لا يؤودها شيء ويكثر عليها .

تأمّل خلق السمك ومشاكلته للأمر الّذي قدّر أن يكون عليه فإنّه خلق غير
ذي قوائم لأنّه لا يحتاج إلى المشي إذا كان مسكنه الماء ، وخلق غير ذي رية لأنه لا يستطيع
أن يتنفّس وهو منغمس في اللّجّة ، وجعلت له مكان القوائم أجنحة شداد يضرب بها في
جانبيه كما يضرب الملّاح بالمجاذيف من جانبي السفينة ، وكسي جسمه قشوراً متاناً
متداخلة كتداخل الدروع والجواشن لتقيه من الآفات فاُعين بفضل حسّ في الشمّ لأنّ
بصره ضعيف والماء يحجبه ، فصار يشمّ الطعم من البعد البعيد فينتجعه ، وإلّا فكيف يعلم
به وبموضعه ؟ واعلم أنّ من فيه إلى صماخيه منافذ فهو يعبّ الماء بفيه (1) ويرسله من
صماخيه (2) فتروّح إلى ذلك كما يتروّح غيره من الحيوان إلى تنسُّم هذا النسيم .

فكّر الآن في كثرة نسله وما خصّ به من ذلك فإنّك ترى في جوف السمكة
الواحدة من البيض ما لا يحصى كثرة ، والعلّة في ذلك أن يتّسع لما يغتذي به من أصناف
الحيوان فإنّ أكثرها يأكل السمك حتّى أنَّ السباع أيضاً في حافات الآجام عاكفة
على الماء أيضاً كي ترصد السمك فإذا مرَّ بها خطفته فلمّا كانت السباع تأكل السمك
والطير يأكل السمك والناس يأكلون السمك والسمك يأكل السمك كان من التدبير فيه
أن يكون على ما هو عليه من الكثرة .

فإذا أردت أن تعرف سعة حكمة الخالق وقصر علم المخلوقين فانظر إلى ما في
البحار من ضروب السمك ، ودوابّ الماء والأصداف ، والأصناف الّتي لا تحصى ولا
تعرف منافعها إلّا الشيء بعد الشيء يدركه الناس بأسباب تحدث ؛ مثل القرمز فإنّه إنّما
عرف الناس صبغه بأنَّ كلبة تجول على شاطىء البحر فوجدت شيئاً من الصنف الّذي
يسمّى الحلزون فأكلته فاختضب خطمها بدمه فنظر الناس إلى حسنه فاتّخذوه صبغاً ،
وأشباه هذا ممّا يقف الناس عليه حالاً بعد حال وزماناً بعد زمان .

قال المفضّل : حان وقت الزوال فقام مولاي عليه‌السلام إلى الصلاة ، وقال : بكّر إليَّ
غداً إن شاء الله تعالى فانصرفت وقد تضاعف سروري بما عرّفنيه ، مبتهجاً بما منحنيه ،
حامداً لله على ما آتانيه فبتُّ ليلتي مسروراً مبتهجاً .

بيان : البشم محرّكة : التخمة والسأمة . بشم كفرح وأبشمه الطعام . والفراش
هي الّتي تقع في السراج . واليعسوب : أمير النحل وطائر أصغر من الجرادة أو أعظم .
وقوله عليه‌السلام : ناشزتين بالمعجمة أي مرتفعتين ، وفي بعض النسخ بالمهملة أي مبسوطتين .
والسُرى : السير باللّيل . وقال الفيروزآباديّ : والتمّرة كقبّرة وابن تمّرة طائر أصغر
من العصفور . انتهى . (3) وفغرفاه أي فتحه . والحسك محرّكةً : نبات تعلق ثمرته بصوف
الغنم . قوله عليه‌السلام غبيّاً جاهلاً أي ليس له عقل يتصرّف في سائر الأشياء على نحو تصرّفه
في ذلك الأمر المخصوص فظهر أنّ خصوص هذا الأمر إلهام من مدبّر حكيم ، أو خلقة
وطبيعة جبله عليها ، ليصدر عنه خصوص هذا الأمر لما فيه من المصلحة مع كونه غافلاً
عن المصلحة أيضاً ، ولعلّ هذا يؤيّد ما يقال : إنّ الحيوانات العجم غير مدركة للكلّيّات (4)
ويقال : دلفت الكتيبة في الحرب أي تقدّمت ، ويقال : دلفناهم ؛ فالعساكر تحتمل الرفع
والنصب . والرجل بالفتح جمع راجل : خلاف الفارس . وانساب : جرى ومشى مسرعاً
ولا يؤودها أي لا يثقلها . ولجّة الماء : معظمه . والمجذاف : ما تجري به السفينة . وانتجع :
طلب الكلأ في موضعه . وحافات الآجام : جوانبها . وعكف على الشيء : أقبل عليه
مواظباً . وقال الفيروزآباديّ : القرمز : صبغ أرمنيّ يكون من عصارة دود في آجامهم .
وقال : الحلزون ـ محرّكة ـ دابّة تكون في الرمث أي بعض مراعي الابل ، ويظهر من
كلامه عليه‌السلام اتّحادهما ، ويحتمل أن يكون المراد أنّ من صبغ الحلزون تفطّنوا بإعمال
القرمز للصبغ لتشابههما . تمَّ المجلس الثاني .

________________________

(1) أي شربه أو كرعه بلا تنفس .

(2) الصمخ : خرق الاذن الباطن الماضي إلى الرأس .

(3) قال الدميري : التمّر : طائر نحو الاوزّ في منقاره طول ، وعنقه أطول من عنق الاوزّ . وفي
المنجد : التم : طائر مائي شبيه بالاوزّ أطول منه عنقاً . أقول : الظاهر أنه غلط وصحيحه كما في
القاموس وغيره : التمّر بالراء .

(4) فيه ما لا يخفى فان إدراك الكليات غير الفكر الذي بمعنى الانتقال من النتيجة إلى المقدمات
ومنها إلى النتيجة ، وكذا هو غير قوة الفكر ؛ والذي يلوح منه نفى قوة الفكر كالانسان وأما أصل الفكر
وادراك الكليات فلا . ط