بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 47

فانظر إلى هذه الدويبة الضعيفة كيف جعل في طبعها ما لا يبلغه الإنسان إلّا
بالحيلة واستعمال آلات فيها ، فلا تزدر بالشيء إذا كانت العبرة فيه واضحةً كالذرّة والنملة
وما أشبه ذلك فإنّ المعنى النفيس قد يمثّل بالشيء الحقير فلا يضع منه ذلك كما لا يضع
من الدينار وهو من ذهب أن يوزن بمثقال من حديد .

بيان : الاحتشاد : الاجتماع . والزبية بالضمّ : الحفرة . والنشر بالفتح وبالتحريك :
المكان المرتفع . وقال الجوهريُّ : اللّيث : الأسد وضرب من العناكب يصطاد الذباب
بالوثب : انتهى . والموات بالفتح : ما لا روح فيه . ويقال : ما به حراك كسحاب أي حركة .
والشرك بالتحريك : حبالة الصائد . ويقال : أحال عليه بالسوط يضربه أي أقبل . قوله
عليه‌السلام : فكذلك أي كفعل اللّيث . وقوله : هكذا أي كالعنكبوت . والازدراء : الاحتقار .
قوله عليه‌السلام : فلا يضع منه أي لا ينقص من قدر المعنى النفيس تمثيله بالشيء الحقير ، قال
الفيروزآباديُّ : وضع عنه : حطَّ من قدره .

تأمّل يا مفضّل جسم الطائر وخلقته فإنّه حين قدِّر أن يكون طائراً في الجوّ
خفّف جسمه واُدمج خلقه ، فاقتصر به من القوائم الأربع على اثنتين ، ومن الأصابع
الخمس على أربع ، ومن منفذين للزبل والبول على واحد يجمعهما ، ثمَّ خلق ذا جؤجؤ
محدّد ليسهل عليه أن يخرق الهواء كيف ما أخذ فيه ، كما جعل السفينة بهذه الهيئة لتشقّ
الماء وتنفذ فيه ، وجعل في جناحيه وذنبه ريشات طوال متان لينهض بها للطيران ، وكسي
كلّه الريش ليداخله الهواء فيقلّه ، ولمّا قدّر أن يكون طعمه الحبّ واللّحم يبلعه بلعاً
بلا مضغ نقص من خلقه الأسنان ، وخلق له منقار صلب جاس يتناول به طعمه فلا ينسجح
من لقط الحبّ ، ولا يتقصّف من نهش اللّحم ، ولمّا عدم الأسنان وصار يزدرد الحبّ (1)
صحيحاً واللّحم غريضاً اُعين بفضل حرارة في الجوف تطحن له الطعم طحناً يستغني به
عن المضغ ؛ واعتبر ذلك بأنّ عجم العنب وغيره يخرج من أجواف الإنس صحيحاً ، ويطحن
في أجواف الطير لا يرى له أثر ، ثمَّ جعل مما يبيض بيضاً ولا يلد ولادةً لكيلا يثقل عن
الطيران فإنّه لو كانت الفراخ في جوفه تمكث حتّى تستحكم لأثقلته وعاقته عن النهوض

والطيران فجعل كلّ شيء من خلقه مشاكلاً للأمر الّذي قدّر أن يكون عليه ثمَّ صار
الطائر السائح في هذا الجوّ يقعد على بيضه فيحضنه اُسبوعاً ، وبعضها اُسبوعين ، وبعضها
ثلاثة أسابيع حتّى يخرج الفرخ من البيضة ثمَّ يقبل عليه فيزقّه الريح لتتّسع حوصلته للغذاء
ثمَّ يربّيه ويغذّيه بما يعيش به فمن كلّفه أن يلقط الطعم ويستخرجه بعد أن يستقرّ في
حوصلته ويغذو به فراخه ؟ ولأيّ معنى يحتمل هذه المشقّة وليس بذي رويّة ولا تفكّر ؟
ولا يأمل في فراخه ما يأمل الإنسان في ولده من العزّ والرفد (2) وبقاء الذكر ؟ فهذا هو فعل (3)
يشهد بأنّه معطوف على فراخه ، لعلّه لا يعرفها ولا يفكّر فيها وهي دوام النسل وبقاؤه
لطفاً من الله تعالى ذكره .

انظر إلى الدجاجة كيف تهيج لحضن البيض والتفريخ وليس لها بيض مجتمع
ولا وكر (4) موطى بل تنبعث وتنتفخ وتقوقى وتمتنع من الطعم حتّى يجمع لها البيض
فتحضنه وتفرخ فلمَ كان ذلك منها إلّا لإقامة النسل ؟ ومن أخذها بإقامة النسل ولا
رويّة ولا تفكّر لولا أنّها مجبولة على ذلك ؟ .

اعتبر بخلق البيضة وما فيها من المحّ الأصفر الخاثر ، والماء الأبيض الرقيق ،
فبعضه لينتشر منه الفرخ ، وبعضه ليغذي به ، (5) إلى أن تنقاب عنه البيضة ، وما في ذلك
من التدبير فإنّه لو كان نشؤ الفرخ في تلك القشرة المستحصنة الّتي لا مساغ لشيء إليها
لجعل معه في جوفها من الغذاء ما يكتفي به إلى وقت خروجه منها ، كمن يحبس في حبس
حصين لا يوصل إلى من فيه فيجعل معه من القوت ما يكتفي به إلى وقت خروجه منه .

فكّر في حوصلة الطائر وما قدِّر له ، فإنّ مسلك الطعم إلى القانصة (6) ضيق لا ينفذ
فيه الطعام إلّا قليلاً قليلاً ، فلو كان الطائر لا يلقط حبّةً ثانيةً حتّى تصل الاُولى إلى
القانصة لطال عليه ، ومتى كان يستوفي طعمه ؟ فإنّما يختلسه اختلاساً لشدّة الحذر ،
________________________

(1) أي يبتلعه ويسرع .

(2) الرفد : النصيب ، المعاونة .

(3) وفي نسخة : فهذا من فعله يشهد بأنه معطوف على فراخه .

(4) الوكر ـ بفتح الواو وسكون الكاف ـ : عش الطائر .

(5) وفي نسخة : ليغتذى به .

(6) القانصة للطير : كالمعدة للانسان .