بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 43

الاُلف إلّا ليكون حارساً للإنسان ، له عين بأنياب ومخالب ونباح هائل ليذعر منه السارق
ويتجنّب بالمواضع الّتي يحميها ويخفرها .

بيان : وأوكدها أي أوكد الأشياء وأحوجها إلى هذا النوع من الخلق هذه الصناعات
ويحتمل إرجاع الضمير إلى جنس البشر فيكون فعلاً أي ألزمها أو ألهمها هذه الصناعات
ولا يبعد إرجاعه إلى الأكف أيضاً . قوله عليه‌السلام : مدمجة أي انضمّ بعضها إلى بعض . قال
الجوهريٌّ : دمج الشيء دموجاً إذا دخل في الشيء واستحكم فيه ، وأدمجت الشيء إذا
لفّفته في ثوب ، وفي بعض النسخ : مدبحة بالباء والحاء المهملة ، ولعلّ المراد معوّجة
من قولهم : دبّح تدبيحاً أي بسط ظهره وطأطأ رأسه ، وهو تصحيف . والبراثن من
السباع والطير بمنزلة الأصابع من الإنسان . والمخلب : ظفر البرثن . والململم بفتح
اللّامين : المجتمع المدوّر المصموم . والأخمص من باطن القدم ما لا يصيب الأرض . و
الشدق : جانب الفم . والطعم بالضمّ : الطعام . والاُمّات جمع الاُمّ ، وقيل : إنّما تستعمل في
البهائم ، وأمّا في الناس فيقال : اُمّهات . ويقال : قاب الطير بيضته فلّقها فانقابت . واليمام
حمام الوحش . والحُمر بضمّ الحاء وفتح الميم طائر وقد يشدّد الميم . ويقال : مجّ الرجل
الطعام من فيه : إذا رمى به . والمودع من الخيل بفتح الدال : المستريح . ونير الفدان
بالكسر : الخشبة المعترضة في عنق الثورين . قوله عليه‌السلام يركب السيوف أي يستقبلها
بجرأة كأنّه يركبها أو بمعنى يرتكب مواجهتها . والمواتاة : الموافقة . والدببة كعنبة
جمع الدبّ . ويقال : أحجم القوم أي نكصوا وتأخّروا وتهيّبوا أخذه . وساوره :
واثبه . ويقال : حاميت عنه أي منعت منه . والعين بالفتح : الغلظ في الجسم والخشونة .
والخفر : المنع .

يا مفضّل تأمّل وجه الدابّة كيف هو فإنّك ترى العينين شاخصتين أمامها لتبصر
ما بين يديه لئلّا تصدم حائطاً أو تتردّى في حفرة ، وترى الفم مشقوقاً شقّاً في أسفل
الخطم ولو شقَّ كمكان الفم من الإنسان في مقدّم الذقن لما استطاع أن يتناول به شيئاً
من الأرض ألا ترى أنَّ الإنسان لا يتناول الطعام بفيه ولكن بيده تكرمة له على سائر
الآكلات ؟ فلمّا لم يكن للدابّة يد تتناول بها العلف جعل خطمها مشقوقاً من أسفله

لتقبض به على العلف ثمَّ تقضمه واُعينت بالجحفلة تتناول بها ما قرب وما بعد . اعتبر
بذنبها والمنفعة لها فيه فإنّه بمنزلة الطبق على الدبر والحيأ جميعاً يواريهما ويسترهما ،
ومن منافعها فيه أنَّ ما بين الدبر ومراقي البطن منها وضر يجتمع عليه الذباب والبعوض
فجعل لها الذنب كالمذبّة تذبُّ به عن ذلك الموضع ؛ ومنها أنَّ الدابّة تستريح إلى
تحريكه وتصريفه يمنة ويسرة فإنّه لمّا كان قيامها على الأربع بأسرها وشغلت
المقدّمتان بحمل البدن عن التصرُّف والتقلّب كان لها في تحريك الذنب راحة ؛ وفيه
منافع اُخرى يقصر عنها الوهم يعرف موقعها في وقت الحاجة إليها فمن ذلك أنَّ الدابّة
ترتطم في الوحل (1) فلا يكون شيء أعون على نهوضها من الأخذ بذنبها ، وفي شعر الذنب
منافع للناس كثيرة يستعملونها في مآربهم ، ثمَّ جعل ظهرها مسطّحاً مبطوحاً على قوائم
أربع ليتمكّن من ركوبها ، وجعل حياها بارزاً من ورائها ليتمكّن الفحل من ضربها ،
ولو كان أسفل البطن كمكان الفرج من المرأة لم يتمكّن الفحل منها ، ألا ترى أنّه لا
يستطيع أن يأتيها كفاحاً كما يأتي الرجل المرأة .

تأمّل مشفر الفيل وما فيه من لطيف التدبير فإنّه يقوم مقام اليد في تناول العلف
والماء وازدرادهما (2) إلى جوفه ، ولولا ذلك ما استطاع أن يتنأول شيئاً من الأرض لأنّه
ليست له رقبة يمدّها كسائر الأنعام ، فلمّا عدم العنق اُعين مكان ذلك بالخرطوم الطويل
ليسدله (3) فيتناول به حاجته ، فمن ذا الّذي عوّضه مكان العضو الّذي عدمه ما يقوم
مقامه إلّا الرؤوف بخلقه ؟ وكيف يكون هذا بالإهمال كما قالت الظلمة ؟

فإن قال قائل : فما باله لم يخلق ذا عنق كسائر الأنعام ؟ قيل له : إنّ رأس الفيل
واُذنيه أمر عظيم وثقل ثقيل ، ولو كان ذلك على عنق عظيمة لهدّها وأوهنها فجعل رأسه
ملصقاً بجسمه لكيلا ينال منه ما وصفنا ، وخلق له مكان العنق هذا المشفر ليتناول به
غذاءه فصار مع عدمه العنق مستوفياً ما فيه بلوغ حاجته .

انظر الآن كيف جعل حيأ الاُنثى من الفيلة في أسفل بطنها فإذا هاجت للضراب
________________________

(1) أي تسقط في الوحل .

(2) الازداد : البلع .

(3) أي ليرسله ويرخيه .