بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 40

وتعالى الرجل قيّماً ورقيباً على المرأة وجعل المرأة عرساً وخولاً للرجل أعطى الرجل
اللّحية لما له من العزّة والجلالة والهيبة ، ومنعها المرأة لتبقى لها نضارة الوجه والبهجة
الّتي تشاكل المفاكهة والمضاجعة ؛ أفلا ترى الخلقة كيف يأتي بالصواب في الأشياء و
تتخلّل مواضع الخطأ فتعطي وتمنع على قدر الإرب والمصلحة بتدبير الحكيم عزَّ وجلَّ ؟ .

بيان : جنى الذنب عليه يجنيه جناية : جرّه إليه . والجدة بالتخفيف : الغناء .
قوله عليه‌السلام : في تشابه الأشياء أي قد يشبه مال شخص بمال شخص آخر كثوب أو نعل
أو دينار أو درهم فيصير سبباً للاشتباه والتشاجر والتنازع ، فضلاً عن تشابه الصورة فإنّه
أعظم فساداً ، والمراد أنَّ الناس كثيراً ما يشتبه عليهم أمر رجلين لتشابه لباسهما ومركوبهما
وغير ذلك فيؤخذ أحدهما بالآخر فكيف مع تشابه الصورة ؟ . قوله عليه‌السلام : واشتبهت
مقاديرها أي لم يعرف غاية ما ينتهي إليه مقداره فيشتبه الأمر عليه فيما يريد أن يهيّئه
لنفسه من دار ودابّة وثياب وزوجة . قوله عليه‌السلام : ويجفو أي يبعد ويجتنب ولا يداوم
على الصناعات اللّطيفة ، أي الّتي فيها دقّة ولطافة ؛ قال الجزريُّ : وفي الحديث : اقرؤوا
القران ولا تجفوا عنه . أي تعاهدوه وتبعدوا عن تلاوته . انتهى .

والحاصل أنَّ الله تعالى جعل الإنسان بحيث تثقل عن الحركة والمشي قبل سائر
الحيوانات وتكلُّ عن الأعمال الدقيقة لتعظم عليه مؤونة تحصيل ما يحتاج إليه فلا يبطر
ولا يطغى أو ليكون لهذه الأعمال أجر فيصير سبباً لمعايش أقوام يزاولونها . والدعار في
بعض النسخ بالمهملة من الدعر محرّكةً : الفساد والفسق والخبث ، وفي بعضها بالمعجمة
من الدغرة وهي أخذ الشيء اختلاساً . والعرس بالكسر : امرأة الرجل . والخول محرَّكة
ما أعطاك الله من النعم والعبيد والإماء . والمفاكهة : الممازحة والمضاحكة . قوله
عليه السلام : وتخلّل مواضع الخطأ يحتمل أن تكون الجملة حاليّةً أي تأتي بالصواب
مع أنّها تدخل مواضع هي مظنّة الخطأ ، من قولهم : تخلّلت القوم أي دخلت خلالهم
ويحتمل أن يكون المراد بالتخلّل التخلّف أو الخروج من خلالها لكن تطبيقهما على
المعاني اللّغويّة يحتاج إلى تكلّف .

قال المفضّل : ثمَّ حان وقت الزوال فقام مولاي إلى الصلاة وقال : بكّر إليَّ غداً

إن شاء الله ؛ فانصرفت من عنده مسروراً بما عرفته ، مبتهجاً بما اُوتيته ، حامداً لله على
ما أنعم به عليَّ ، شاكراً لأنعمه على ما منحني بما عرّفنيه مولاي وتفضّل به عليَّ ، فبتُّ
في ليلتي مسروراً بما منحنيه ، محبوراً بما علّمنيه .

تمَّ المجلس الأوَّل ويتلوه المجلس الثاني من كتاب الأدلّة على الخلق والتدبير
والردّ على القائلين بالاهمال ومنكري العمد برواية المفضّل عن الصادق صلوات الله عليه
وعلى آبائه .

قال المفضّل : فلمّا كان اليوم الثاني بكّرت إلى مولاي فاستوذن لي فدخلت فأمرني
بالجلوس فجلست ؛ فقال : الحمد لله مدير الأدوار (1) ومعيد الأكوار طبقاً عن طبق و
عالماً بعد عالم ليجزي الّذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الّذين أحسنوا بالحسنى ، عدلاً
منه تقدَّست أسماؤه وجلّت آلاؤه ، لا يظلم الناس شيئاً ولكنَّ الناس أنفسهم يظلمون
يشهد بذلك قوله جلَّ قدسه : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
شَرًّا يَرَهُ ؛ في نظائر لها في كتابه الّذي فيه تبيان كلّ شيء ، ولا يأتيه الباطل من بين
يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ، ولذلك قال سيّدنا محمّد صلوات الله عليه وآله
إنّما هي أعمالكم تردُّ إليكم . ثمَّ أطرق هنيئة ثمَّ قال : يا مفضّل الخلق حيارى عمهون
سكارى في طغيانهم يتردّدون ، وبشياطينهم وطواغيتهم يقتدون ، بصراء عميٌ لا يبصرون ،
نطقاء بكمٌ لا يعقلون ، سمعاء صمٌّ لا يسمعون ، رضوا بالدون وحسبوا أنّهم مهتدون ، حادوا
عن مدرجة الأكياس ورتعوا في مرعى الأرجاس الأنجاس ، كأنّهم من مفاجاة الموت آمنون
وعن المجازات مزحزحون ، يا ويلهم ما أشقاهم وأطول عناءهم وأشدّ بلاءهم يوم لا يغني
مولىً عن مولىً شيئاً ولا هم ينصرون إلّا من رحم الله .

قال المفضّل : فبكيت لما سمعت منه ، فقال : لا تبك تخلّصت إذ قبلت ، ونجوت إذ
عرفت ، ثمَّ قال : أبتدىء لك بذكر الحيوان ليتّضح لك من أمره ما وضح لك من غيره .

فكّر في أبنية أبدان الحيوان وتهيئتها على ما هي عليه ، فلا هي صلاب كالحجارة
ولو كانت كذلك لا تنثني ولا تتصرّف في الأعمال ، ولا هي على غاية اللّين والرخاوة فكانت
________________________

(1) وفي نسخة : الحمد لله مدبر الادوار .