بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 33

بيان : الكوكب : المحبس . واطّرد الشيء تبع بعضه بعضاً وجرى . وقال
الجوهريّ : حمّة الحرّ معظمه . وقوله عليه‌السلام : إلّا من خلقه مؤمّلاً إشارة إلى
أنَّ الأمل والرجاء في البقاء هو السبب لتحصيل النسل ، ولذا جعل الإنسان ذا أمل
لبقاء نوعه . قوله عليه‌السلام : إلّا من ضربه بالحاجة أي سبّب له أسباب الاحتجاج وخلقه
بحيث يحتاج . قوله عليه‌السلام : إلّا من توكّل بتقويمه أي تكفّل برفع حاجته وتقويم أوده .
والحول : القوَّة .

أصف لك الآن يا مفضّل الفؤاد ، اعلم أنّ فيه ثقباً موجّهة نحو الثقب الّتي في
الرية تروح عن الفؤاد ، حتّى لو اختلفت تلك الثقب وتزايل بعضها عن بعض لما وصل
الروح إلى الفؤاد ولهلك الإنسان ، أفيستجيز ذو فكر ورويّة أن يزعم أنّ مثل هذا يكون
بالإهمال ولا يجد شاهداً من نفسه ينزعه عن هذا القول ؟ لو رأيت فرداً من مصراعين فيه
كلّوب أكنت تتوهَّم أنّه جعل كذلك بلا معنى ؟ بل كنت تعلم ضرورةً أنّه مصنوع يلقي
فرداً آخر فتبرزه ليكون في اجتماعهما ضرب من المصلحة ، وهكذا تجد الذكر من الحيوان
كأنّه فرد من زوج مهيّأ (1) من فرد اُنثى فيلتقيان لما فيه من دوام النسل وبقائه ،
فتبّاً وخيبةً وتعساً لمنتحلي الفلسفة ، كيف عميت قلوبهم عن هذه الخلقة العجيبة حتّى
أنكروا التدبير والعمد فيها ؟ لو كان فرج الرجل مسترخياً كيف كان يصل إلى قعر الرحم
حتّى يفرغ النطفة فيه ؟ ولو كان منعظاً أبداً كيف كان الرجل يتقلّب في الفراش أو يمشي
بين الناس وشيءٌ شاخصٌ أمامه ؟ ثمَّ يكون في ذلك مع قبح المنظر تحريك الشهوة في
كلّ وقت من الرجال والنساء جميعاً ، فقدَّر الله جلَّ اسمه أن يكون أكثر ذلك لا يبدو
للبصر في كلّ وقت ، ولا يكون على الرجال منه مؤونة ، بل جعل فيه القوَّة على الانتصاب
وقت الحاجة إلى ذلك لما قدَّر أن يكون فيه دوام النسل وبقاؤه .

توضيح : قال الجوهريُّ ؟ : وزعته أزعه وزعاً : كففته (2) . انتهى . والكلّوب
بالتشديد : حديدة معوّجة الرأس ، وفي بعض النسخ « كلون » وهو فارسيٌّ . قوله عليه‌السلام
مهيّأة في بعض النسخ بالياء فلفظة « من » تعليليّة ، وفي بعضها بالنون فمن تعليليّة أو

ابتدائيّةٌ أي إنّما يتمُّ عيشه باُنثى ، وعلى التقديرين يحتمل أن يكون بمعنى « مع » إن
جوِّز استعماله فيه . وقال الجوهريّ : تبّاً لفلان ، تنصبه على المصدر باضمار فعل أي
الزمه الله هلاكاً وخسراناً . وقال : التعس : الهلاك ، يقال : تعساً لفلان أي ألزمه الله
هلاكاً .

اعتبر الآن يا مفضّل بعظيم النعمة على الإنسان في مطعمه ومشربه وتسهيل خروج
الأذى ، أليس من حسن التقدير في بناء الدار أن يكون الخلاء في أستر موضع فيها ؟ (3)
فكذا جعل الله سبحانه المنفذ المهيّأ للخلاء من الإنسان في أستر موضع منه ، فلم يجعله
بارزاً من خلفه ، ولا ناشراً من بين يديه ، بل هو مغيّب في موضع غامض من البدن ،
مستور محجوب يلتقي عليه الفخذان ، وتحجبه الإليتان بما عليهما من اللّحم فيواريانه
فإذا احتاج الإنسان إلى الخلاء وجلس تلك الجلسة ألفى ذلك المنفذ منه منصّباً مهيّئاً
لانحدار الثفل ، فتبارك الله من تظاهرت آلاؤه ولا تحصى نعماؤه .

بيان : ألفى أي وجد . وقوله عليه‌السلام : منصّباً إمّا من الانصباب ، كناية عن التدلّيّ
أو من باب التفعيل من النصب قال الفيروزآباديُّ : نصب الشي وضعه ورفعه ضدُّ ، كنصَّبه
فانتصب وتنصّب .

فكّر يا مفضّل في هذه الطواحن الّتي جعلت للإنسان فبعضها حداد لقطع
الطعام وقرضه ، وبعضها عراض لمضغه ورضّه (4) فلم ينقص واحد من الصفتين إذ كان
محتاجاً إليهما جميعاً .

تأمّل واعتبر بحسن التدبير في خلق الشعر والأظفار فإنّهما لمّا كانا ممّا يطول
ويكثر حتّى يحتاج إلى تخفيفه أوَّلاً فأوَّلاً جعلا عديمي الحسّ لئلّا يولم الإنسان الأخذ
منهما ، ولو كان قصُّ الشعر وتقليم الأظفار ممّا يوجد له مسٌّ من ذلك لكان الإنسان
من ذلك بين مكروهين : إمّا أن يدع كلّ واحد منهما حتّى يطول فيثقل عليه ، وإمّا
أن يخفّفه بوجع وألم يتألّم منه .

________________________

(1) وفي نسخة : كأنه فرد من زوج مهنأ .

(2) لم نجد في كلامه عليه السلام لفظة وزعته .

(3) وفي نسخة : في أستر موضع منها .

(4) رضّه : دقّه وجرشه