بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 32

والبرد ، فمن حصَّن الدماغ هذا التحصين إلّا الّذي خلقه وجعله ينبوع الحسّ والمستحقّ
للحيطة والصيانة بعلوّ منزلته من البدن وارتفاع درجته وخطر مرتبته ؟ .

بيان : المزّ : بين الحلو والحامض . والثجّ : السيلان . والغصص : أن يقف الشيء
في الحلق فلم يكد يسيغه . والجمجمة : عظم الرأس المشتمل على الدماغ . والبيضة : هي
الّتي توضع على الرأس في الحرب . والفتّ : الكسر . وهدّ البناء : كسره وضعضعه ، و
هدّته المصيبة أي أوهنت ركنه . والحيطة بالكسر : الحياطة والرعاية .

تأمّل يا مفضّل الجفن على العين ، كيف جعل كالغشاء والأشفار كالأشراج ، و
أولجها في هذا الغار ، وأظلّها بالحجاب وما عليه من الشعر .

بيان : الجفن : غطاء العين من أعلا وأسفل . والأشفار : هي حروف الأجفان
الّتي عليها الشعر . والأشراج : العرى . وكأنّه عليه‌السلام شبّه الأشفار بالعرى والخيط
المشدود بها ، فإنَّ بهما ترفع الأستار وتسدل عند الحاجة إليهما ، أو بالعرى الّتي تكون
في العيبة من الأدم (1) وغيره ، يكون فيها خيط إذا شدّت به يكون ما في بالعيبة محفوظاً
مستوراً ، وكلاهما مناسب ، والأوَّل أنسب بالغشاء قال الجزريّ : في حديث الأحنف :
فأدخلت ثياب صونى العيبة فأشرجتها . يقال : اشرجت العيبة وشرجتها : إذا شددتها
بالشرج وهي العرى . انتهى . وأولجها يعني أدخلها .

يا مفضّل من غيّب الفؤاد في جوف الصدر ، وكساه المدرعة الّتي هي غشاؤه ،
وحصّنه بالجوانح وما عليها من اللّحم والعصب لئلّا يصل إليه ما ينكؤه ؟ من جعل في
الحلق منفذين ؟ أحدهما لمخرج الصوت وهو الحلقوم المتّصل بالرية ، والآخر منفذ
الغذاء وهو المرىء المتّصل بالمعدة الموصل الغذاء إليها ، وجعل على الحلقوم طبقاً يمنع
الطعام أن يصل إلى الرية فيقتل ؛ من جعل الرية مروّحة الفؤاد ؟ لا تفتر ولا تخلُّ لكيلا تتحيّز
الحرارة في الفؤاد فتؤدّي إلى التلف . من جعل لمنافذ البول والغائط أشراجاً تضبطهما ؟
لئلّا يجريا جرياناً دائماً فيفسد على الإنسان عيشه فكم عسى أن يحصي المحصي من هذا ؟
بل الّذي لا يحصى منه ولا يعلمه الناس أكثر ، من جعل المعدة عصبانيّةً شديدةً وقدَّرها

لهضم الطعام الغليظ ؟ ومن جعل الكبد رقيقةً ناعمةً لقبول الصفو اللّطيف من الغذء ولتهضم
وتعمل ما هو ألطف من عمل المعدة إلّا الله القادر ؟ أترى الإهمال يأتي بشيء من ذلك ؟ (2)
كلّا ، بل هو تدبير من مدبّر حكيم ، قادر عليم بالأشياء قبل خلقه إيّاها ، لا يعجزه
شيءٌ وهو اللّطيف الخبير .

تبيان : الجوانح : الأضلاع ممّا يلي الصدر . وقوله عليه‌السلام : لا تخل من الإخلال
بالشيء بمعنى تركه . وقوله تتحيّز إمّا من الحيّز أي تسكن ، أو من قولهم : تحيّزت
الحيّة : أي تلوّت .

فكّر يا مفضّل لمَ صار المخُّ الرقيق محصّناً في أنابيب العظام ؟ هل ذلك إلّا
ليحفظه ويصونه ؟ لمَ صار الدم السائل محصوراً في العروق بمنزلة الماء في الظروف إلّا
لتضبطه فلا يفيض ؟ لمَ صارت الأظفار على أطراف الأصابع إلّا وقايةً لها ومعونةً على
العمل ؟ لمَ صار داخل الاُذن ملتوياً كهيئة الكوكب (3) إلّا ليطّرد فيه الصوت حتّى ينتهي
إلى السمع وليتكسّر حمّة الريح فلا ينكأ في السمع ؟ لمَ حمل الإنسان على فخذيه وإليتيه
هذا اللّحم إلّا ليقيه من الأرض فلا يتألّم من الجلوس عليهما ، كما يألم مَن نحل جسمه
وقلَّ لحمه إذا لم يكن بينه وبين الأرض حائل يقيه صلابتها ؟ من جعل الإنسان ذكراً
واُنثى إلّا من خلقه متناسلاً ؟ ومن خلقه متناسلاً إلّا من خلقه مؤمّلاً ؟ ومن خلقه مؤمّلاً
ومن أعطاه آلات العمل إلّا من خلقه عاملاً ؟ ومن خلقه عاملاً إلّا من جعله محتاجاً ؟
ومن جعله محتاجاً إلّا من ضربه بالحاجة ؟ ومن ضربه بالحاجة إلّا من توكّل بتقويمه ؟
ومن خصّه بالفهم إلّا من أوجب له الجزاء ؟ ومن وهب له الحيلة إلّا من ملكه الحول ؟
ومن ملكه الحول إلّا من ألزمه الحجّة ؟ من يكفيه ما لا تبلغه حيلته إلّا من لم يبلغ
مدى شكره ؟ فكّر وتدبّر ما وصفته ، هل تجد الإهمال على هذا النظام والترتيب ؟
تبارك الله عمّا يصفون .

________________________

(1) العيبة الزنبيل من ادم . ما تجعل فيه الثياب كالصندوق . الادم : الجلود المدبوغة .

(2) في نسخة : أترى من الاهمال يأتي بشيء من ذلك .

(3) أقول : في بعض النسخ « اللولب » مكان الكوكب وهو آلة من خشب أو حديد ذات محور ،
ذي دوائر ناتئة ، وهو الذكر ، أو داخلة وهو الانثى .