بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 28

يفعلون في الجاهليّة ببناتهم . قوله عليه‌السلام : أو يقيمه أي عدم طلوع الأسنان . قوله عليه‌السلام :
ذلك بما قدَّمت أيديهم ، يحتمل أن يكون هذا لتعذيب الآباء وإن كان الأولاد يوجرون
لقباحة منظرهم ، أو للأولاد لما كان في علمه تعالى صدوره عنهم باختيارهم . ويرصده
أي يرقبه . قوله عليه‌السلام : فإن كان الإهمال أي إذا لم يكن الأشياء منوطةً بأسبابها ، ولم
ترتبط الاُمور بعللها ، فكما جاز أن يحصل هذا الترتيب والنظام التامّ بلا سبب فجاز
أن يصير التدبير في الاُمور سبباً لاختلالها ، وهذا خلاف ما يحكم به عقول كافّة الخلق
لما نرى من سعيهم في تدبير الاُمور وذمّهم من يأتي بها على غير تأمّل ورويّة ، ويحتمل
أن يكون المراد أنَّ الوجدان يحكم بتضادِّ آثار الاُمور المتضادّة ، وربّما أمكن إقامة
البرهان عليه أيضاً ، فإذا أتى الإهمال بالصواب يجب أن يأتي ضدُّه وهو التدبير بالخطأ
وهذا أفظع وأشنع ، والمراد بالمحال الأمر الباطل الّذي لم يأت على وجهه الّذي ينبغي
أن يكون عليه ، قال الفيروزآباديّ : المحال من الكلام بالضمّ : ما عدل عن وجهه . انتهى .
والتيه : الضلال والحيرة . والغضاضة بالفتح : الذلّة والمنقصة . وقوله عليه‌السلام : معصّباً أي
مشدوداً . والتسجية : التغطية بثوب يمدُّ عليه . والغبيُّ على فعيل : قليل الفطنة . والاعتبار
من العبرة ، وذكر في مقابلة السهو والغفلة . وقوله : ما قدر وما يوجب كلاهما معطوفان
على موضع . وقوله : من المكلّفات بيان لما يوجب أي لذهب التكاليف المتعلّقة بالأولاد
بأن يبرُّوا آباءهم ويعطفوا عليهم عند حاجة الآباء إلى تربيتهم ، وإعانتهم لكبرهم و
ضعفهم ، جزاءاً لما قاسوا من الشدائد في تربيتهم . قوله : أن يرى خبر لقوله : أقلّ ما في ذلك .

اعرف يا مفضّل ما للأطفال في البكاء من المنفعة ، واعلم أنَّ في أدمغة الأطفال
رطوبة إن بقيت فيها أحدثت عليهم أحداثاً جليلةً ، وعللاً ، عظيمةً من ذهاب البصر وغيره
فالبكاء يُسيل تلك الرطوبة من رؤوسهم ، فيعقّبهم ذلك الصحَّةَ في أبدانهم ، والسلامةَ
في أبصارهم ، أفليس قد جاز أن يكون الطفل ينتفع بالبكاء ، ووالده لا يعرفان ذلك ،
فهما دائبان ليسكتاه ويتوخَّيان في الاُمور مرضاته لئلّا يبكي ، وهما لا يعلمان أنَّ البكاء
أصلح له وأجمل عاقبةً ، فهكذا يجوز أن يكون في كثير من الأشياء منافع لا يعرفها القائلون

بالإهمال ، ولو عرفوا ذلك لم يقضوا على الشيء أنّه لا منفعة فيه من أجل أنّهم لا يعرفونه
ولا يعلمون السبب فيه فإنَّ كلَّ ما لا يعرفه المنكرون يعلمه العارفون ، (1) وكثير ممّا يقصر
عنه علم المخلوقين محيط به علم الخالق جلَّ قدسه وعلت كلمته ، فأمّا ما يسيل من أفواه
الأطفال من الريق ففي ذلك خروج الرطوبة الّتي لو بقيت في أبدانهم لأحدثت عليهم
الاُمور العظيمة ، كمن تراه قد غلبت عليه الرطوبة فأخرجته إلى حدّ البله (2) والجنون
والتخليط ، (3) إلى غير ذلك من الأمراض المختلفة كالفالج واللّقوة (4) وما أشبههما ، فجعل
الله تلك الرطوبة تسيل من أفواههم في صغرهم لما لهم في ذلك من الصحّة في كبرهم ، فتفضّل
على خلقه بما جهلوه ، ونظر لهم بما لم يعرفوه ، ولو عرفوا نعمه عليهم لشغلهم ذلك عن التمادي
في معصيته ، فسبحانه ما أجلَّ نعمته وأسبغها على المستحقّين وغيرهم من خلقه ، وتعالى عمّا
يقول المبطلون علوًّا كبيراً .

بيان : الدؤب : الجدُّ والتعب . والتوخّيّ : التحرّيّ والقصد . وقوله عليه‌السلام :
كلّ ما لا يعرفه أي ممّا لا يقصر عنه علم المخلوقين . ويقال : أبطل أي جاء بالباطل .

انظر الآن يا مفضّل كيف جعلت آلات الجماع في الذكر والاُنثى جميعاً على ما
يشاكل ذلك ، فجعل للذكر آلةً ناشزةً (5) تمتدُّ حتّى تصل النطفة إلى الرحم إذ كان محتاجاً
إلى أن يقذف ماءه في غيره ، وخلق للاُنثى وعاءاً قعر ليشتمل على المائين جميعاً ، ويحتمل
الولد ويتّسع له ويصونه حتّى يستحكم ، أليس ذلك من تدبير حكيم لطيف ؟ سُبْحَانَهُ
وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ
.

بيان : المشاكلة : المشابهة والمناسبة ، واسم الإشارة راجع إلى ما مضى من التدبير
في الخلق ، ويحتمل إرجاعه إلى الجماع .

________________________

(1) وفي نسخة : يعرفه العارفون .

(2) أي ضعف العقل وعجز الرأي .

(3) أي اضطراب العقل واختلاله .

(4) اللقوة : علة ينجذب لها شقّ الوجه الى جهة غير طبيعية ، فيخرج النفخة والبزقة من جانب
واحد ، ولا يحسن التقاء الشفتين ، ولا ينطبق احدى العينين .

(5) أي رافعة . وفي نسخة ناشرة .