بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 27

بيان : الأديم : الجلد . والطلق : وجع الولادة . ويقال : أزعجه أي قلعه عن مكانه
ويقال : تلمّظ إذا أخرج لسانه فمسح به شفتيه ، وتلمّظت الحيّة إذا أخرجت لسانها
كتلمّظت الأكل . والإداوة بالكسر : إناء صغير من جلد يتّخذ للماء . والطواحن :
الأضراس ، ويطلق الأضراس غالباً على المآخير ، والأسنان على المقاديم كما هو الظاهر هنا ،
وإن لم يفرِّق اللّغويّون بينهما ، والمراد بالطواحن هنا جميع الأسنان . والإساغة : الأكل
والشرب بسهولة .

اعتبر يا مفضّل فيما يدبّر به الإنسان في هذه الأحوال المختلفة ، هل ترى يمكن
أن يكون بالإهمال ؟ أفرأيت لو لم يجر إليه ذلك الدم وهو في الرحم ألم يكن سيذوي
ويجفّ كما يجفّ النبات إذا فقد الماء ؟ ولو لم يزعجه المخاض (1) عند استحكامه ألم يكن
سيبقى في الرحم كالموؤود في الأرض ؟ ولو لم يوافقه اللّبن مع ولادته ألم يكن سيموت
جوعاً ، أو يغتذي بغذاء لا يلائمه ولا يصلح عليه بدنه ؟ ولو لم تطلع عليه الأسنان في وقتها
ألم يكن سيمتنع عليه مضغ الطعام وإساغته ، أو يقيمه على الرضاع فلا يشدّ بدنه ولا
يصلح لعمل ؟ ثمَّ كان تشتغل اُمّه بنفسه عن تربية غيره من الأولاد ، ولو لم يخرج الشعر
في وجهه في وقته ألم يكن سيبقى في هيئة الصبيان والنساء فلا ترى له جلالةً ولا وقاراً ؟ .

فقال المفضّل : فقلت : يا مولاي فقد رأيت من يبقى على حالته ولا ينبت الشعر
في وجهه وإن بلغ حال الكبر ، فقال : ذلك بما قدّمت أيديهم وَأَنَّ اللَّـهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ
لِّلْعَبِيدِ
، فمن هذا الّذي يرصده حتّى يوافيه بكلّ شيء من هذه المآرب إلّا الّذي انشأه خلقاً

بعد أن لم يكن ، ثمَّ توكّل له بمصحلته بعد أن كان فإن كان الإهمال يأتي بمثل هذا التدبير
فقد يجب أن يكون العمد والتقدير يأتيان بالخطأ والمحال لأنّهما ضدّا الإهمال ، وهذا
فظيع (2) من القول وجهل من قائله ، لأنَّ الإهمال لا يأتي بالصواب ، والتضادُّ لا يأتي
بالنظام ، تعالى الله عمّا يقول الملحدون علوّاً كبيراً ، ولو كان المولود يولد فَهِماً عاقلاً
لأنكر العالم عند ولادته ولبقي حيران تائه العقل (3) إذا رأى ما لم يعرف وورد عليه

ما لم ير مثله من اختلاف صور العالم من البهائم والطير إلى غير ذلك ممّا يشاهده ساعة بعد
ساعة ويوماً بعد يوم ، واعتبر ذلك بأنّ من سبي من بلد إلى بلد وهو عاقل يكون كالواله
الحيران فلا يسرع في تعلّم الكلام وقبول الأدب كما يسرع الذي يسبى صغيراً غير عاقل ،
ثمَّ لو ولد عاقلاً كان يجد غضاضة إذا رأى نفسه محمولاً مرضعاً ، معصّباً بالخرق ، مسجّى
في المهد لأنّه لا يستغني عن هذا كلّه لرقّة بدنه ورطوبته حين يولد ، ثمَّ كان لا يوجد له
من الحلاوة والوقع من القلوب ما يوجد للطفل فصار يخرج إلى الدنيا غبيّاً غافلاً عمّا فيه
أهله فيلقى الأشياء بذهن ضعيف ومعرفة ناقصة ، ثمَّ لا يزال يتزايد في المعرفة قليلاً قليلاً
وشيئاً بعد شيء ، وحالاً بعد حال حتّى يألف الأشياء ويتمرّن (4) ويستمرّ عليها ،
فيخرج من حدّ التأمّل لها والحيرة فيها إلى التصرُّف والاضطراب إلى المعاش بعقله وحيلته
وإلى الاعتبار والطاعة والسهو والغفلة والمعصية ، وفي هذا أيضاً وجوه آخر فإنّه لو
كان يولد تامّ العقل مستقلّاً بنفسه لذهب موضع حلاوة تربية الأولاد ، وما قدر أن يكون
للوالدين في الاشتغال بالولد من المصلحة ، وما يوجب التربية للآباء على الأبناء من
المكلّفات (5) بالبرّ والعطف عليهم عند حاجتهم إلى ذلك منهم ، ثمَّ كان الأولاد لا يألفون
آباءهم ولا يألف الآباء أبناءهم لأنَّ الأولاد كانوا يستغنون عن تربية الآباء وحياطتهم (6)
فيتفرّقون عنهم حين يولدون فلا يعرف الرجل أباه واُمّه ، ولا يمتنع من نكاح اُمّه واُخته
وذوات المحارم منه إذا كان لا يعرفهنّ ، وأقلّ ما في ذلك من القباحة ـ بل هو أشنع وأعظم
وأفظع وأقبح وأبشع ـ لو خرج المولود من بطن اُمّه وهو يعقل أن يرى منها ما لا يحلّ
له ولا يحسن به أن يراه . أفلا ترى كيف اُقيم كلّ شيء من الخلقة على غاية الصواب ،
وخلا من الخطأ دقيقه وجليله ؟ .

بيان : أفرأيت أي أخبرني ، قال الزمخشريُّ : لمّا كانت مشاهدة الأشياء ورؤيتها
طريقاً إلى الإحاطة بها علماً وصحّة الخبر عنها استعملوا أرأيت بمعنى أخبر . انتهى . و
يقال : ذوي العود أي يبس . والموؤود الّذي دفن في الأرض حيّاً كما كان المشركون
________________________

(1) المخاض : وجع الولادة وهو الطلق .

(2) فظع الامر : اشتدت شناعته وجاوز المقدار في ذلك .

(3) أي ضايع العقل .

(4) أي يتعود ويتدرّب .

(5) وفي نسخة : من المكافاة .

(6) أي حفظهم وتعهّدهم .