بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 22

ليس لهما مكان إلّا مكانهما فإن كانا يقدران على أن يذهبا ولا يرجعان فلمَ يرجعان ؟ وإن لم
يكونا مضطرّين فلمَ لا يصير اللّيل نهاراً والنهار ليلاً ؟ اضطرّا والله يا أخا أهل مصر إلى
دوامهما ، والّذي اضطرَّهما أحكم منهما وأكبر منهما ، قال الزنديق : صدقت . ثمَّ قال
أبو عبد الله عليه‌السلام : يا أخا أهل مصر الّذي تذهبون إليه وتظنّونه بالوهم فإن كان الدهر
يذهب بهم لمَ لا يردُّهم ؟ وإن كان يردُّهم لمَ لا يذهب بهم ؟ القوم مضطرّون يا أخا أهل مصر ،
السماء مرفوعةٌ ، والأرض موضوعةٌ ، لم لا تسقط السماء على الأرض ؟ ولمَ لا تنحدر الأرض
فوق طباقها فلا يتماسكان ولا يتماسك من عليهما ؟ فقال الزنديق : أمسكهما والله ربّهما
وسيّدهما ، فآمن الزنديق على يدي أبي عبد الله عليه‌السلام . فقال له حمران بن أعين : جعلت
فداك أن آمنت الزنادقة على يديك فقد آمنت الكفّار على يدي أبيك . فقال المؤمن الّذي
آمن على يدي أبي عبد الله عليه‌السلام : اجعلني من تلامذتك . فقال أبو عبد الله عليه‌السلام لهشام بن
الحكم : خذه إليك فعلّمه . فعلّمه هشام فكان معلّم أهل مصر وأهل الشام ، وحسنت
طهارته حتّى رضي بها أبو عبد الله عليه‌السلام .

ج : عن هشام بن الحكم مثله .

ايضاح : قوله عليه‌السلام : فمن الملك لعلّه عليه‌السلام سلك أوّلاً في الاحتجاج عليه
مسلك الجدل ، لبنائه على الأمر المشهور عند الناس أنَّ الاسم مطابق لمعناه ، ويحتمل
أن يكون على سبيل المطائبة والمزاح لبيان عجزه عن فهم الواضحات ، وردّ الجواب
عن أمثال تلك المطائبات ، أو يكون منبّهاً على ما ارتكز في العقول من الإذعان بوجود
الصانع وإن أنكروه ظاهراً لكفرهم وعنادهم ثمّ ابتدأ عليه‌السلام بإزالة إنكار الخصم و
إخراجه منه إلى الشكّ لتستعدّ نفسه لقبول الحقّ ، فأزال إنكاره بأنّه غير عالم بما
تحت الأرض وليس له سبيل إلى الجزم بأن ليس تحتها شيءٌ ، ثمّ زاده بياناً بأنّ السماء
الّتي لم يصعدها كيف يكون له الجزم والمعرفة بما فيها وما ليس فيها ؟ وكذا المشرق والمغرب ،
فلمّا عرف قبح إنكاره وتنزَّل عنه وأقرَّ بالشكّ بقوله : ولعلّ ذاك ، أخذ عليه‌السلام في هدايته و
قال : ليس للشاكّ دليل وللجاهل حجّةٌ ، فليس لك إلا طلب الدليل فاستمع وتفهَّم
فإنّا لا نشكُّ فيه أبداً ، والمراد بولوج الشمس والقمر غروبهما ، أو دخولهما بالحركات

الخاصّة في بروجهما ، وبولوج اللّيل والنهار دخول تمام كلّ منهما في الآخر ، أو دخول
بعض من كلّ منهما في الآخر بحسب الفصول .

وحاصل الاستدلال أنّ لهذه الحركات انضباطاً واتّساقاً واختلافاً وتركّباً
فالانضباط يدلُّ على عدم كونها إراديّةً كما هو المشاهد من أحوال ذوي الإرادات من
الممكنات ، والاختلاف يدلُّ على عدم كونها طبيعيّةً ، فإنَّ الطبيعة العادمة للشعور
لا تختلف مقتضياتها كما نشاهد من حركات العناصر ، كما قالوا : إنّ الطبيعة الواحدة
لا تقتضي التوجُّه إلى جهة والانصراف عنه ، ويمكن أن يقال : حاصل الدليل راجع إلى
ما يحكم به الوجدان ، من أنّ مثل تلك الأفعال المحكمة المتقنة الجارية على قانون
الحكمة لا يصدر عن الدهر والطبائع العادمة للشعور والإراده ، وإلى هذا يرجع قوله
عليه‌السلام : إن كان الدهر يذهب بهم أي الدهر العديم الشعور كيف يصدر عنه الذهاب الموافق
للحكمة ولا يصدر عنه بدله الرجوع ؟ أو المراد أنّه لم يقتضي طبعه ذهاب شيء ولا يقتضي
ردّه وبالعكس ، بناءاً على أنّ مقتضيات الطبائع تابعةٌ لتأثير الفاعل القادر القاهر ،
ويمكن أن يكون المراد بالذهاب بهم إعدامهم ، وبرِّدهم إيجادهم ، والمراد بالدهر الطبيعة ،
كما هو ظاهر كلام أكثر الدهريّة ، أي نسبة الوجود والعدم إلى الطبائع الإمكانيّة
على السواء ، فإن كان الشيء يوجد بطبعه فلمَ لا يعدم ؟ فترجُّح أحدهما ترجُّحٌ بلا مرجّح
يحكم العقل باستحالته . ويجري جميع تلك الاحتمالات في قوله عليه‌السلام : السماء مرفوعةٌ
إلى آخر كلامه عليه‌السلام . وقوله عليه‌السلام : لمَ لا تسقط السماء على الأرض أي لا تتحرَّك بالحركة
المستقيمة حتّى تقع على الأرض . وقوله : ولمَ لا تنحدر الأرض ؟ أي تتحرّك إلى جهة
التحت حتّى تقع على أطباق السماء ، أو المراد الحركة الدوريّة فيغرق الناس في الماء ، فيكون
ضمير طباقها راجعاً إلى الأرض وطباق الأرض : أعلاها أي تنحدر الأرض بحيث تصير فوق
ما علا منها الآن . قوله عليه‌السلام . فلا يتماسكان أي في صورة السقوط والانحدار ، أو المراد فظهر
أنّه لا يمكنهما التمسّك بأنفسهما بل لا بدّ من ماسك يمسكهما .

أقول : تفصيل القول في شرح تلك الأخبار الغامضة يقتضي مقاماً آخر وإنّما
نشير في هذا الكتاب إلى ما لعلّه يتبصّر به اُولوا الأذهان الثاقبة من اُولي الألباب ،