بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 17

17 ـ ل : الفاميّ وابن مسرور ، عن محمّد بن جعفر بن بطّة ، عن البرقيّ ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : سمعت أبي يحدِّث عن أبيه عليه‌السلام أنَّ رجلا قام إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام فقال له : يا أمير المؤمنين بما عرفت ربَّك ؟ قال : بفسخ العزم ، (1) ونقض الهمم ، لمّا أن هممت حال بيني وبين همّي ، وعزمت فخالف القضاء عزمي ، فعلمت أنَّ المدبّر غيري قال : فبماذا شكرت نعماءه ؟ قال : نظرت إلى بلاء قد صرفه عنّي وأبلى به غيري فعلمت أنّه قد أنعم عليَّ فشكرته ، قال : فبماذا أحببت لقاءه ؟ قال : لمّا رأيته قد اختار لي دين ملائكته ورسله وأنبيائه علمت أنَّ الّذي أكرمني بهذا ليس ينساني فأحببت لقاءه .

يد : الهمدانيّ ، عن عليّ ، عن أبيه ، عن محمّد بن سنان ، عن أبي الجارود ، عن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن جدّه عليهم‌السلام مثله .

18 ـ يد : ماجيلويه ، عن عمّه ، عن البرقيّ ، عن محمّد بن عليّ الكوفيّ ، عن عبد الرحمن بن محمّد بن أبي هاشم ، عن أحمد بن محسن الميثميّ قال : كنت عند أبي منصور المتطبّب فقال : أخبرني رجل من أصحابي قال : كنت أنا وابن أبي العوجاء وعبد الله بن المقفّع (2) في المسجد الحرام فقال ابن المقفّع : ترون هذا الخلق ؟ ـ وأومى بيده إلى موضع الطواف ـ ما منهم أحد أوجب له اسم الإنسانيّة (3) إلّا ذلك الشيخ الجالس ـ يعني جعفر ابن محمّد عليهما‌السلام ـ فأمّا الباقون فرعاع وبهائم ، فقال له ابن أبي العوجاء وكيف أوجبت هذا الاسم لهذا الشيخ دون هؤلاء ؟ قال : لأنّي رأيت عنده ما لم أر عندهم ، فقال ابن أبي العوجاء : ما بدّ من اختبار ما قلت فيه منه ، فقال له ابن المقفّع : لا تفعل فإنّي أخاف أن يفسد عليك ما في يدك ، فقال : ليس ذا رأيك ولكنّك تخاف أن يضعف رأيك عندي في إحلالك إيّاه المحلَّ الّذي وصفت ، فقال ابن المقفّع : أمّا إذا توهّمت عليَّ هذا فقم إليه وتحفّظ ما استطعت من الزلل ، ولا تثنّ عنانك إلى استرسال يسلمك إلى عقال ، وسمه ما لك أو عليك ، قال : فقام ابن أبي العوجاء وبقيت وابن المقفّع فرجع إلينا وقال : يا ابن المقفّع ما هذا ببشر ، وإن كان في الدنيا روحانيٌّ يتجسَّد إذا شاء ظاهراً ويتروَّح إذا شاء باطناً فهو هذا ، فقال له : وكيف ذاك ؟ قال : جلست إليه فلمّا لم يبق عنده غيري ابتدأني فقال : إن يكن الأمر على ما يقول هؤلاء وهو على ما يقولون ـ يعني أهل الطواف ـ فقد سلموا وعطبتم ، وإن يكن الأمر كما تقولون ـ وليس كما تقولون ـ فقد استويتم وهم ، فقلت له : يرحمك الله وأيّ شيء نقول ؟ وأيّ شيء يقولون ؟ ما قولي وقولهم إلّا واحداً ، فقال : كيف يكون قولك وقولهم واحداً وهم يقولون : أنَّ لهم معاداً وثواباً وعقاباً ، ويدينون بأنَّ للسماء إلهاً ، وأنّها عمران ، وأنتم تزعمون أنَّ السماء خراب ليس فيها أحد . قال : فاغتنمتها منه فقلت له : ما منعه إن كان الأمر كما تقول أن يظهر لخلقه ويدعوهم إلى عبادته حتّى لا يختلف منهم اثنان ، ولما احتجب عنهم وأرسل إليهم الرسل ؟ ولو باشرهم بنفسه كان أقرب إلى الإيمان به . فقال لي : ويلك وكيف احتجب عنك من أراك قدرته في نفسك ؟ نشؤك ولم تكن ، وكبرك بعد صغرك ، وقوَّتك بعد ضعفك ، وضعفك بعد قوَّتك ، وسقمك بعد صحَّتك ، وصحَّتك بعد سقمك ، ورضاك بعد غضبك ، وغضبك بعد رضاك ، وحزنك بعد فرحك ، وفرحك بعد حزنك ، وحبّك بعد بغضك ، وبغضك بعد حبّك ، وعزمك بعد إبائك ، وإباؤك بعد عزمك ، وشهوتك بعد كراهتك ، وكراهتك بعد شهوتك ، ورغبتك بعد رهبتك ، وررهبتك بعد رغبتك ، ورجاؤك بعد يأسك ، ويأسك بعد رجائك ، وخاطرك بما لم يكن في وهمك ، وعزوب ما أنت معتقده من ذهنك . وما زال يعدُّ عليَّ قدرته الّتي في نفسي الّتي لا أدفعها حتّى ظننت أنّه سيظهر فيما بيني وبينه.

 
 

بيان : قال الجزريُّ : رعاع الناس أي غوغاؤهم وسقاطهم وأخلاطهم ، الواحد : رعاعة . قوله : ولا تثنّ ، من الثني وهو العطف والميل أي لا ترخ عنانك إليه بأن تميل إلى الرفق والاسترسال والتساهل فتقبل منه بعض ما يلقي إليك . فيسلمك من التسليم أو


(1) وفي نسخة : بفسخ العزائم .

(2) قيل : إن اسمه « روزبه » قبل الاسلام وعبد الله بعد الاسلام ، والمقفّع اسمه المبارك ، ولقب بالمقفّع لان الحجاج بن يوسف ضربه ضربا فتقفعت يده ـ ورجل متقفع اليدين أي متشنجهما ـ و قيل : هو المقفّع بكسر العين ، لعمله القفعة ـ بفتح القاف وسكون الفاء ـ والقفعة : شيء يشبه الزنبيل بلا عروة وتعمل من خوص ليست بالكبيرة . ذكر السيد المرتضى في ج 1 ص 89 من أماليه ابن المقفع من جملة الزنادقة والملاحدة الذين يبطنون الكفر ويظهرون الاسلام .

(3) في نسخة وجب له اسم الانسانيّة .