بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 15

ذلك : إنَّ خالقنا لطيف ، لا كلطف خلقه في صنعتهم ، وقلنا : إنّه سميع لأنّه لا يخفى عليه أصوات خلقه ما بين العرش إلى الثرى ، من الذرَّة إلى أكبر منها ، في برِّها وبحرها ، ولا تشتبه عليه لغاتها ، فقلنا عند ذلك : إنّه سميع لا باُذن ، وقلنا : إنّه بصير لا ببصر لأنه يرى أثر الذرَّة السحماء في اللّيلة الظللماء على الصخرة السوداء ، ويرى دبيب النمل في اللّيلة الدجنة ، ويرى مضارَّها ومنافعها وأثر سفادها (1) وفراخها ونسلها فقلنا عند ذلك : إنّه بصير لا كبصر خلقه ، قال : فما برح حتّى أسلم. وفيه كلام غير هذا .

ج : رواه مرسلاً عن محمّد بن عبد الله الخراسانيّ إلى آخر الخبر .

بيان : أوجدني أي أفدني كيفيّته ومكانه ، وأظفرني بمطلبي الّذي هو العلم بهما .

هو أيّن الأين أي جعل الأين أيناً بنااً على مجعوليّة الماهيّات ، أو أوجد حقيقة الأين وكذا الكيف .

والكيفوفيّة والأينونيّة الاتّصاف بالكيف والأين .

قوله : فإذن أنّه لا شيء هذا السائل لمّا كان وهمُه غالباً على عقله زعم أنَّ الموجود ما يمكن إحساسه فنفى الوجود عنه تعالى بنااً على أنّه عليه‌السلام نفى عنه أن يحسّ فأجاب عليه‌السلام بأنّك جعلت تعاليه عن أن يدرك بالحواسِّ دليلاً على عدمه ، ونحن إذا عرفناه بتعاليهم عن أن يدرك بالحواسِّ أيقنّا أنّه ربُّنا بخلاف شيء من الأشياء ، اذا المحسوسيّة تستلزم اُموراً كلٌّ منها مناف للربوبيّة على ما برهن عليه في محلّه .

قوله : فأخبرني متى كان الظاهر أنّه سأل عن ابتداء كونه ووجوده ، ويحتمل أن يكون السؤال عن أصل زمان وجوده تعالى ، فعلى الأوّل حاصل جوابه عليه‌السلام أنَّ ابتداء الزمان إنّما يكون لحادث كان معدوماً ثمَّ صار موجوداً وهو تعالى يستحيل عليه العدم ، وعلى الثاني فالمراد أنّ الكائن في الزمان إنَّما يكون فيه بتغيُّر وتبدُّل في ذاته وصفاته لأنّ الزمان نسبة المتغيّر إلى المتغيّر فيكون بحال في زمان لا يكون كذلك في زمان آخر ، وهو متعال عن التغيّر في الذات والصفات .

قوله : فلمَ احتجب توهّم السائل أنّ احتجابه تعالى عبارةٌ عن كونه وراء حجاب ، فأجاب عليه‌السلام بأنّا غير محجوبين عنه لإحاطة علمه بنا وكنه ذاته وصفاته محجوبةٌ عنّا لعجزنا وقصورنا عن إدراكه بأن يكون المراد بالذنوب الحجب الظلمانيّة الإمكانيّة ، ويحتمل أن يكون المراد أنَّ عدم ظهوره تعالى على عامّة الخلق كظهوره على أوليائه لغاية المعرفة إنّما هو لذنوبهم الّتي حالت بينهم وبين تلك المعرفة ، وإلّا فهو تعالى قد تجلّى لأوليائه فظهر لهم ظهوراً فوق الإحساس ، والجواب عن الإحساس ظاهر ، اذا الفرق بينه وبين خلقه وهو كونه غير جسم ولا جسمانيّ ولا حاصلاً في جهة ومكان هو الذي صار سبباً لعدم إمكان رؤيته .

قوله : فحدّه يحتمل أن يكون المراد التحديد بالحدود الجسمانيّة ، فحاصل جوابه عليه‌السلام أنَّ الحدَّ نهايةٌ لشيء ذي مقدار يمكن أن ينتهي إلى نهاية اُخرى بعد تلك النهاية فيزيد مقداره ، ومثل هذا يمكن نقصانه لكون المقادير قابلةً للانقسام فيكون ذا أجزاء فيكون محتاجاً إلى أجزائه فيكون ممكناً فلا يكون صانعاً بل يكون مصنوعاً ، أو احتمال النقص ينافي الكمال الّذي يحكم الوجدان باتّصاف الصانع به .

والسحماء : السوداء .

والدجنة بسكر الجيم أي المتغيّمة المظلمة .

وسيأتي تفسير آخر الخبر في باب معاني الأسماء .

قوله : وفيه كلام غير هذا أي قيل : إنّه لم يسلم ، أو في الخبر تتمّة تركناها .

13 ـ لى : أحمد بن عليِّ بن إِبراهيم بن هاشم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن الحكم قال : دخل أبو شاكر الديصانيّ على أبي عبد الله الصادق عليه‌السلام فقال له : إنّك أحد النجوم الزواهر ، وكان آباؤك بدوراً بواهر ، واُمّهاتك عقيلات عباهر ، وعنصرك من أكرم العناصر ، وإذا ذكر العلماء فبك تثنّى الخناصر فخبّرني أيّها البحر الخضمّ الزاخر ، ما الدليل على حدث العالم ؟ فقال الصادق عليه‌السلام : يستدلُّ عليه بأقرب الأشياء ، قال : وما هو ؟ قال : فدعى الصادق عليه‌السلام بيضة فوضعها على راحته ثمَّ قال : هذا حصن ملموم ، داخل غرقىء رقيق ، تطيف به فضّة سائلة وذهبة مائعة ، ثمَّ تنفلق عن مثل الطاووس أدَخلها شيءٌ ؟ قال : لا ، قال : فهذا الدليل على حدث العالم ، قال : أخبرت فأوجزت ، وقلت فأحسنت ، وقد علمت أنّا لا نقبل إلّا ما أدركناه بأبصارنا ، أو سمعناه بآذاننا ، أو لمسناه بأكفّنا ، أو شممناه بمناخرنا ، أو ذقناه بأفواهنا ، أو تصوّر في القلوب بياناً واستنبطنه الروايات إيقاناً ، فقال الصادق عليه‌السلام : ذكرت الحواسَّ الخمس وهي لا تنفع شيئا بغير دليل كما لا تقطع الظلمة بغير مصباح.


(1) السفاد : الجماع .