بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 13

فقال ابن أبي العوجاء : فهو في كلِّ مكان أليس إذا كان في السماء كيف يكون في الأرض ؟ وإذا كان في الأرض كيف يكون في السماء ؟ فقال أبو عبد الله عليه‌السلام : إنّما وصفت المخلوق الّذي إذا انتقل من مكان اشتغل به مكان وخلا منه مكان ، فلا يدري في المكان الّذي صار إليه ما حدث في المكان الّذي كان فيه ، فأمّا الله العظيم الشأن الملك الديّان فلا يخلو منه مكان ولا يشتغل به مكان ولا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان.

لى : ابن مسرور ، عن ابن عامر ، عن عمّه ، عن أبي أحمد محمّد بن زياد الأزديّ ، عن الفضل بن يونس مثله .

ع : الهمدانيّ والمكتّب والورّاق جميعاً ، عن عليّ ، عن أبيه ، عن الفضل مثله .

8 ـ يد : الدقّاق ، عن حمزة بن القاسم العلويّ ، عن البرمكيّ ، عن داود بن عبد الله ، عن عمرو بن محمّد ، عن عيسى بن يونس مثله ، وزاد في آخره : والّذي بعثه بالآيات المحكمة والبراهين الواضحة ، وأيّده بنصره ، واختاره لتبليغ رسالته صدّقنا قوله : بأنَّ ربَّه بعثه وكلّمه . فقام عنه ابن أبي العوجاء وقال لأصحابه : من ألقاني في بحر هذا ؟. وفي رواية ابن الوليد : من ألقاني في بحر هذا ، سألتكم أن تلتمسوا لي خمرة فألقيتموني على جمرة. قالوا : ما كنت في مجلسه إلّا حقيراً ، قال : إنّه ابن من حلق رؤوس من ترون .

بيان : الطوب بالضمّ : الآجر . وطعام وخيم : غير موافق ، واستوخمه أي لم يستمرأه . ولم يستعذبه أي لم يدرك عذوبته . وحاصل ما ذكره عليه‌السلام : أنّه تعالى إنّما استعبدهم بذلك ليختبرهم في إطاعتهم له ، والاختبار فيما خفي وجه الحكمة فيه على أكثر العقول أكثر ، مع أنَّ لخصوص هذا المكان الشريف مزايا وشرائف لكونه محلَّ الأنبياء وقبلة المصلّين وسابقاً في الخلق على جميع الأرض ، وقد أشار عليه‌السلام بقوله : فهو شعبةٌ مع الفقرات الّتي بعدها إلى ما جعل الله فيه من الكمالات المعنويّة والأسرار الخفيّة حيث جعله محلّاً لقربه ورضوانه ، ومهبطاً لرحماته وغفرانه ، وما أفاض عليه من أنوار جبروته ، وأخفى فيه من أسرار ملكوته . والاستواء : الاعتدال . والوريد : هو العرق الّذي في صفحة العنق وبقطعه تزول الحياة ، ففي التشبيه به دون سائر الأعضاء إشعار بكيفيّة قربه بأنَّ قربه قرب بالعلّيّة والتأثير ، وفيما بعدها من الفِقَر إشارةٌ إلى جهة اُخرى من قربه وهي الإحاطة العلميّة . والخمرة بالضمّ : حصيرة صغيرة من السعف أي طلبت منكم أن تطلبوا لي خصماً ألعب به كالخمرة فألقيتموني على جمرة ملتهبة .

9 ـ ج : وروي أنَّ الصادق عليه‌السلام قال لابن أبي العوجاء : إن يكن الأمر كما تقول ـ وليس كما تقول ـ نجونا ونجوت ، وإن يكن الأمر كما نقول نجونا وهلكت.

10 ـ ن ، م ، ج : وبالإسناد ، عن أبي محمّد عليه‌السلام أنّه قال في تفسير قوله تعالى : ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ . الآية : جعلها ملائمةً لطبائعكم ، موافقةً لأجسادكم ، لم يجعلها شديدة الحمى والحرارة فتحرقكم ، ولا شديدة البرودة فتجمدكم ، ولا شديدة طيب الريح فتصدع هاماتكم ، (1) ولا شديدة النتن فتعطبكم ، (2) ولا شديدة اللّين كالماء فتغرقكم ، ولا شديدة الصلابة فتمتنع عليكم في حرثكم (3) وأبنيتكم ودفن موتاكم ، ولكنّه جعل فيها من المتانة ما تنتفعون به وتتماسكون ، وتتماسك عليها أبدانكم (4) ، وجعل فيها من اللّين ما تنقاد به لحرثكم (5) وقبوركم وكثير من منافعكم ، فلذلك جعل الأرض فراشاً لكم ، ثمَّ قال : ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ يعني سقفاً من فوقكم محفوظاً يدير فيها شمسها وقمرها ونجومها لمنافعكم . ثمَّ قال : ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ يعني المطر ينزله من علا ليبلغ قلل جبالكم وتلالكم وهضابكم وأوهادكم ، (6) ثمّ فرَّقه رذاذاً ووابلاً وهطلاً وطلّاً لتنشفه أرضكم ، (7) ولم يجعل ذلك المطر نازلاً عليكم قطعةً واحدةً فتفسد أرضكم وأشجاركم وزروعكم وثماركم . ثمَّ قال : ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾ يعني ممّا يخرجه من الأرض رزقاً لكم . ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّـهِ أَندَادًا﴾ أي أشباهاً وأمثالاً من الأصنام الّتي لا تعقل ولا تسمع ولا تبصر ولا تقدر على شيء وأنتم تعلمون أنّها لا تقدر على شيء من هذه النعم الجليلة الّتي أنعمها عليكم ربّكم .


(1) جمع الهامة وهي الرأس .

(2) أي فتهلككم .

(3) في العيون : دوركم .

(4) في العيون : وبنيانكم .

(5) في العيون : لدوركم .

(6) جمع الوهدة وهي الارض المنخفضة . والهوّة في الارض .

(7) نشف الماء في الارض : ذهب وجرى وسال .