بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 12

أبو عبد الله عليه‌السلام : يا ديصانيُّ هذا حصنٌ مكنونٌ له جلد غليظ ، وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق ، وتحت الجلد الرقيق ذهبةٌ مائعةٌ وفضّةٌ ذائبةٌ ، فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضّة الذائبة ، ولا الفضَّة الذائبة تختلط بالذهبة المائعة ، فهي على حالها لم يخرج (1) منها خارج مصلح فيخبر عن إصلاحها ، ولم يدخل (2) فيها داخل مفسد فيخبر عن إفسادها لا يدرى للذكر خلقت أم للاُنثى ، تنفق عن مثل ألوان الطواويس ، أترى لها مدبّراً ؟ قال : فأطرق مليّاً ثم قال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله ، وأنّك إمامٌ وحجّةٌ من الله على خلقه ، وأنا تائب ممّا كنتُ فيه.

6 ـ يد : ابن المتوكّل : عن عليِّ بن إبراهيم ، عن محمّد بن أبي إسحاق الخفّاف ، عن عدَّة من أصحابنا أنَّ عبد الله الديصانيّ أتى باب أبي عبد الله عليه‌السلام فاستأذن عليه فأذن له ، فلمّا قعد قال له : يا جعفر بن محمّد دلّني على معبودي ، فقال له أبو عبد الله عليه‌السلام : ما اسمك ؟ فخرج عنه ولم يخبره باسمه ، قال : لو كنت قلت له : عبد الله كان يقول : من هذا الّذي أنت له عبد ؟ فقالوا له : عد إليه فقل : يدلّك على معبودك ولا يسألك عن اسمك ، فرجع إليه فقال له : يا جعفر دلّني على معبودي ولا تسألني عن اسمي ، فقال له أبو عبد الله عليه‌السلام : اجلس وإذا غلام صغير إلى آخر الخبر .

بيان : قد أوردنا الخبر بتمامه في باب القدرة . وتقرير استدلاله عليه‌السلام أنَّ ما في البيضة من الإحكام والإتقان والاشتمال على ما به صلاحها وعدم اختلاط ما فيها من الجسمين السيّالين ـ والحال أنّه ليس فيها حافظ لها من الأجسام فيخرج مخبراً عن صلاحها ، ولا يدخلها جسمانيٌّ من خارج فيفسدها ، وهي تنفلق عن مثل ألوان الطواويس ـ يدلُّ على أنَّ له مبدءٌ غير جسم ولا جسمانيّ ، ولا يخفى لطف نسبة الإصلاح إلى ما يخرج منها ، والإفساد إلى ما يدخل فيها ، لأنَّ هذا شأن أهل الحصن الحافظين له وحال الداخل فيه بالقهر والغلبة .

7 ـ ج : عن عيسى بن يونس قال : كان ابن أبي العوجاء (3) من تلامذة الحسن البصريّ فانحرف عن التوحيد فقيل له : تركت مذهب صاحبك ودخلت فيما لا أصل له ولا حقيقة ، قال : إنَّ صاحبي كان مخلّطاً يقول : طوراً بالقدر وطوراً بالجبر فما أعلمه اعتقد مذهباً دام عليه ، فقدم مكّة تمرُّداً وانكاراً على من يحجُّ ، وكان يكره العلماء مجالسته ومساءلته لخبث لسانه وفساد ضميره ، فأتى أبا عبد الله عليه‌السلام فجلس إليه في جماعة من نظرائه فقال : يا أبا عبد الله إنَّ المجالس بالأمانات ، ولابدَّ لكلِّ من به سعال أن يسعل أفتأذن لي في الكلام ؟ فقال الصادق عليه‌السلام : تكلّم بما شئت ، فقال : إلى كم تدوسون هذا البيدر ، (4) وتلوذون بهذا الحجر ، وتعبدون هذا البيت المرفوع بالطوب والمدر ، وتهرولون حوله كهرولة البعير إذا نفر ؟ إنَّ من فكّر في هذا وقدَّر علم أنَّ هذا فعل أسّسه غير حكيم ولا ذي نظر ، فقل فإنَّك رأس هذا الأمر وسنامه ، وأبوك اُسُّه ونظامه . فقال أبو عبد الله عليه‌السلام : إنَّ من أضلّه الله وأعمى قلبه استوخم الحقَّ ولم يستعذبه ، وصار الشيطان وليّه ، يورده مناهل الهلكة ثمَّ لا يصدره ، وهذا بيت استعبد الله به عباده ليختبر طاعتهم في إتيانه ، فحثَّهم على تعظيمه وزيارته ، وجعله محلَّ أنبيائه ، وقبلةً للمصلّين له ، فهو شعبةٌ من رضوانه ، وطريق يؤدّي إلى غفرانه ، منصوب على استواء الكمال ، ومجتمع العظمة والجلال ، خلقه الله قبل دحو الأرض بألفي عام ، فأحقُّ من اُطيع فيما أمر وانتهي عمّا نهى عنه وزجر ، الله المنشىء للأرواح والصور . فقال ابن أبي العوجاء : ذكرت الله (5) فأحلت على غائب . فقال أبو عبد الله عليه‌السلام : ويلك كيف يكون غائباً من هو مع خلقه شاهد ، وإليهم أقرب من حبل الوريد ، يسمع كلامهم ويرى أشخاصهم ، ويعلم أسرارهم.


(1) في الاحتجاج المطبوع : لا يخرج .

(2) في الاحتجاج المطبوع : ولا تدخل .

(3) عده السيد المرتضى رحمه الله في كتابه الامالي ممن كان يتستر باظهار الاسلام ويحقن باظهار شعائره والدخول في جملة أهله دمه وماله ، وكان في الباطن زنديقاً ملحداً ، وكافراً مشركاً ، وقال : حكى ان عبد الكريم بن أبي العوجاء قال ـ لما قبض عليه محمد بن سليمان وهو والي الكوفة من قبل المنصور ، وأحضره للقتل ، وأيقن بمفارقة الحياة ـ : لان قتلتموني لقد وضعت في أحاديثكم أربعة آلاف حديث مكذوبة مصنوعة .

(4) البيدر : الموضع الذي يجمع فيه الحصيد ويداس ويدقّ . (5) في الامالي : ذكرت يا أبا عبد الله .