( باب 4 ) * ( عصمة النبياء : ، وتاويل ما يوهم خطأهم وسهوهم )
على وجوب اتباع الرسول وتصديقه فيما يؤديه وقبوله منه لان الغرض في بعثة الانبياء: وتصديقهم بالاعلام المعجزة هو أن يمتثل بما يأتون به ، فما قدح في الامتثال والقبولوأثر فيهما يجب أن يمنع المعجز منه ، فلهذا قلنا : إنه يدل على نفي الكذب والكبائرعنهم في غيرما يؤدونه بواسطة ، وفي الاول يدل بنفسه.
فإن قيل : لم يبق إلا أن يدلوا [1] على أن تجويز الكبائر يقدح فيما هو الغرضبالبعثة من القبول والامتثال قلنا : لا شبهة في أن من نجوز عليه كبائر المعاصي ولانأمن منه الاقدام على الذنوب لا تكون أنفسنا ساكنة إلى قبول قوله واستماع وعظه سكونهاإلى من نجوز عليه شيئا من ذلك ، وهذا هو معنى قولنا : إن وقوع الكبائر ينفر عن القبولوالمرجع فيما ينفر ولا ينفر إلى العادات واعتبار ما يقتضيه ، وليس ذلك مما يستخرج بالادلةوالمقائيس ، ومن رجع إلى العادة علم ماذكرناه ، وإنه من أقوى ما ينفر عن قبول القول ، وإنحظ الكبائر في هذا الباب إن لم يزد عن حظ السخف والمجنون والخلاعة [2] لم ينقص منه.
فإن قيل : أليس قد جوز كثير من الناس على الانبياء : الكبائر مع أنهملم ينفروا عن قبول أقوالهم والعمل بما شرعوه من الشرائع ، وهذا ينقض قولكم : إنالكبائر منفرة؟ قلنا : هذا سؤال من لم يفهم ما أوردناه ، لانا لم نرد بالتنفير ارتفاع التصديقوأن لا يقع امتثال الامر جملة ، وإنما أردناما فسرناه من أن سكون النفس إلى قبولقول من يجوز ذلك عليه لا يكون على حد سكونها إلى من لا نجوز ذلك عليه ، وإنا معتجويز الكبائر نكون أبعد من قبول القول ، كما أنا مع الامان من الكبائر نكون أقربإلى القبول ، وقد يقرب من الشئ مالا يحصل الشئ عنده ، كما يبعد عنه مالا يرتفععنده.
ألا ترى أن عبوس الداعي للناس إلى طعامه وتضجره وتبرمه [3] منفر في العادة