(باب 19) (مناظرات الرضا على بن موسى صلوات الله عليه ، واحتجاجه على أرباب الملل المختلفة والاديان المتشته في مجلس المأمون وغيره)
الثالث : أن يكون المراد بالكائن الحادث المعلول ، والمراد معلوميته عند الصانعبصورة حاصلة منه فيه ، وحاصل الجواب على هذا أن المخلوق إذا أراد صنع شئيصوره أولا في نفسه لعجزه عن الايتان بكل ما يريد ، ولامكان وجود ما يخالفهويعارضه فيما يريده ، فيصوره في نفسه على وجه لا يعارضه شئ في حصول ما أراد منهوينفي الموانع عن نفسه بتحديدما علم منه ، وأما الصانع تعالى فهو لا يحتاج إلى ذلكلكمال قدرته ، ولعدم تخيل الموانع عن الايجاد ثمة ، بل إنما أمره إذا أراد شيئا أنيقول له : كن فيكون ، فليس المراد نفي العلم رأسا ، بل نفي العلم على الوجه الذيتخيله السائل بوجه يوافق فهمه ، وضمير « منها » راجع إلى الشئ الكائن باعتبار النفسأو إلى النفس ، أي علما ناشئا من النفس.
الرابع : أن يكون المراد الحادث معلوما لنفسه عند نفسه قبل وجوده ، لاكونهمعلوما لصانعه ، فالجواب أن الشئ بعد وجوده وتشخصه يكون معلوما لنفسه علىوجه يمتاز عن غيره ، وأما الاعدام ففي مرتبة عدمها لا يكون بينها تمييز حتى يحتاجكل عدم إلى العلم بامتيازه عن غيره ، والحاصل أن الامتياز العيني للشئ لا يكونإلا بعد وجوده ، لا فتقار وجوده إلى التميز عن غيره مما يخالفه في ذاته وتشخصه ، وأما امتيازه في علمه تعالى فليس على نحو الوجود العيني ، فلا يستلزم علم كل حادثهناك بنفسه ، كما يكون لذوي العقول بعد وجودها.
قوله 7 : « بأي شئ علم ما علم؟ بضمير أم بغير ذلك؟ » أي بصورة ذهنيةحصلت في الذهن أم بغيرها؟ فأجاب 7 بأن العلم لولم يكن إلا بحصول صورةلشئ فالعلم بالمعلوم لابد أن يكون موقوفا على العلم بالصورة التي هي آلة ملاحظةالمعلوم وتحديدها وتصويرها ، قال عمران : لابد من ذلك؟ فقال 7 : لابد لك أنتعرف تلك الصورة وحقيقتها فبين لنا حقيقتها ، فلما عجز عن الجواب ألزم 7عليه الايراد بوجه آخر : وهو أنه على قولك إنه لا بد لكل معلوم أن يعرف بصورةفالصورة أيضا معلوم لابد أن تعرف بصورة اخرى ، وهكذا إلى ما لانهاية له ، وإن قلت : إن الصورة تعرف بنفسها بالعلم الحضوري من غير احتياج إلى صورة اخرى