(باب 19) (مناظرات الرضا على بن موسى صلوات الله عليه ، واحتجاجه على أرباب الملل المختلفة والاديان المتشته في مجلس المأمون وغيره)
قوله عزوجل : « ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا » يعنيأعمى عن الحقائق الموجودة ، وقد علم ذو والالباب أن الاستدلال على ماهناك لايكونإلا بما ههنا ، من أخذ علم ذلك برأيه وطلب وجوده وإدراكه عن نفسه دون غيرهالم يزدد من علم ذلك إلا بعدا ، لان الله عزوجل جعل علم ذلك خاصة عند قوميعقلون ويعلمون ويفهمون.
قال عمران : يا سيدي ألا تخبرني عن الابداع أخلق هو أم غير خلق؟ قال لهالرضا 7 : بل خلق ساكن لايدرك بالسكون ، وإنما صار خلقا لانه شئ محدث ، والله الذي أحدثه فصار خلقا له وإنما هو الله عزوجل وخلقه لاثالث بينهما ، ولاثالث غيرهما ، فما خلق الله عزوجل لم يعد أن يكون خلقه ، وقد يكون الخلق ساكناومتحركا ومختلفا ومؤتلفا ومعلوما ومتشابها ، وكل ماوقع عليه حد فهو خلقالله عزوجل ، واعلم أن كل ما أوجدتك الحواس فهو معنى مدرك للحواس ، وكلحاسة تدل على ماجعل الله عزوجل لها في إدراكها ، والفهم من القلب بجميع ذلك كله.
واعلم أن الواحد الذي هو قائم بغير تقدير ولا تحديد خلق خلقا مقدرابتحديد وتقدير ، وكان الذي خلق خلقين اثنين : التقدير والمقدر ، وليس في واحدمنهما لون ولاوزن ولاذوق فجعل أحدهما يدرك بالآخر ، وجعلهما مدركين بنفسهما ، ولم يخلق شيئا فردا قائما بنفسه دون غيره للذي أراد من الدلالة على نفسه وإثباتوجوده ، فالله تبارك وتعالى فرد واحد لاثاني معه يقيمه ولا يعضده ولايكنه ، والخلقيمسك بعضه بعضا بإذن الله ومشيته ، وإنما اختلف الناس في هذا الباب حتى تاهواوتحيروا وطلبوا الخلاص من الظلمة بالظلمة في وصفهم الله بصفة أنفسهم فازدادوا منالحق بعدا ، ولوو صفوا الله عزوجل بصفاته ووصفوا المخلوقين بصفاتهم لقالوا بالفهمواليقين ولم اختلفوا ، فلما طلبوا من ذلك ماتحيروا فيه ارتبكوا فيه[1] والله يهديمن يشاءإلى صراط مستقيم.
قال عمران : يا سيدي أشهد أنه كما وصفت ، ولكن بقيت لي مسألة ، قال :
- (1) اى وقعوا فيه ولم يكد يتخلصوا منه. وفى نسخه : ارتكبوا فيه. ↩