(باب 19) (مناظرات الرضا على بن موسى صلوات الله عليه ، واحتجاجه على أرباب الملل المختلفة والاديان المتشته في مجلس المأمون وغيره)
يزل واحدا كائنا لاشئ معه بلاحدود ولا أعراض ، ولا يزال كذلك ، ثم خلق خلقامبتدعا مختلفا بأعراض وحدود مختلفة ، لا في شئ أقامه ، ولا في شئ حده ، ولا على شئحذاه ومثله له ، فجعل الخلق من بعدذلك صفوة وغير صفوة ، واختلافا وايتلافا ، وألوانا وذوقا وطعما ، لا لحاجة كانت منه إلى ذلك ، ولا لفضل منزلة لا يبلغها إلا به ، ولا رأى لنفسه فيما خلق زيادة ولا نقصانا ، تعقل هذا يا عمران؟ قال : نعم والله يا سيدي.
قال : واعلم يا عمران إنه لو كان خلق ما خلق لحاجة لم يخلق إلا من يستعين به علىحاجته ، ولكان ينبغي أن يخلق أضعاف ما خلق ، لان الاعوان كلما كثروا كانصاحبهم أقوى ، والحاجة يا عمران لا يسعها لانه لم يحدث من الخلق شيئا إلا حدثتفيه حاجة اخرى ، ولذلك أقول : لم يخلق الخلق لحاجة ، ولكن نقل بالخلق الحوائجبعضهم إلى بعض ، وفضل بعضهم على بعض بلا حاجة منه إلى من فضل ، ولا نقمة منهعلى من أذل فهلذا خلق.
قال عمران : يا سيدي هل كان الكائن معلوما في نفسه عند نفسه؟[1] قال الرضا7 : إنما يكون المعلمة بالشئ لنفي خلافه ، وليكون الشئ نفسه بمانفي عنه موجودا ، ولم يكن هناك شئ يخالفه فتدعوه الحاجة إلى نفي ذلك الشئعن نفسه بتحديد ما علم منها ، أفهمت يا عمران؟ قال : نعم والله يا سيدي ، فأخبرنيبأي شئ علم ما علم؟ أبضمير أم بغير ذلك؟[2] قال الرضا 8 : أرأيت إذا علم بضميرهل تجدبدا من أن تجعل لذلك الضمير حدا تنتهي إليه المعرفة؟ قال عمران : لا بد منذلك ، قال الرضا 7 : فما ذلك الضمير؟ فانقطع عمران ولم يحرجوابا. قال الرضا7 : لا بأس إن سألتك عن الضمير نفسه تعرفه بضمير آخر ، فقلت : نعم[3] أفسدت
- (1) لعله اراد من ذلك استنتاج أن الكائن الاول لو كان معلوما في نفسه لكان يعلم غير نفسهفلا يثبت انه كان في الازل واحدا ليس غيره. وأما جوابه 7 سيأتى تفسيره من المصنفبوجوه بعضها يناسب ما ذكرناه. ↩
- (2) أورد الكلام ثانيا في علمه بالمخلوقات للتشكيك في وحدا نيته وأنه ذات مع ضمير أو غيره. ↩
- (3) في العيون : فان قلت : نعم أفسدت عليك قولك. وفى التوحيد : فقال : نعم ، قال الرضا7 : أفسدت عليك قولك. ↩