(باب 3) (اثبات الحشر وكيفيته وكفر من انكره)
أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون » إلى غير ذلك فكذا ههنا قال : « من يحييالعظام وهي رميم » على طريق الاستبعاد ، فبدأ أولا بإبطال استبعادهم بقوله : « نسيخلقه » أي أنسى أنا خلقناه من تراب ومن نطفة متشابهة الاجزاء ، ثم جعلنا لهم منالنواصي إلى الاقدام أعضاءا مختلفة الصور والقوام ، وما اكتفينا بذلك حتى أودعناهمما ليس من قبيل هذه الاجرام ، وهو النطق والعقل اللذين بهما استحقوا الاكرام ، فإنكانوا يقنعون بمجرد الاستبعاد فهلا يستبعدون إعادة النطق والعقل إلى محل كانا فيه؟ثم إن استبعادهم كان من جهة ما في المعاد من التفتت والتفرق حيث قالوا : من يحييالعظام وهي رميم؟ اختاروا العظم للذكر لانه أبعد عن الحياة للعدم الاحساس فيه ، ووصفوه بما يقوي جانب الاستبعاد من البلى والتفتت ، والله تعالى دفع استبعادهم منجهة ما في المعيد من العلم والقدرة فقال : « ضرب لنا مثلا » أي جعل قدرتنا كقدرتهم « ونسي خلقه » العجيب وبدأه الغريب. ومنهم من ذكر شبهة وإن كان آخرها يعود إلىمجرد الاستبعاد وهي على وجهين :
أحدهما أنه بعد العدم لم يبق شئ فكيف يصح على العدم الحكم بالوجود؟وأجاب عن هذه الشبهة بقوله تعالى : « الذي أنشأها أول مرة » يعني كما خلق الانسانولم يكن شيئا مذكورا كذلك يعيده وإن لم يكن شيئا مذكورا.
وثانيهما أن من تفرق أجزاؤه في مشارق الارض ومغاربها وصار بعضه في أبدان السباعوبعضه في جدران الرباع كيف يجمع؟ وأبعد من هذا هو أن إنسانا إذا أكل إنسانا وصارأجزاء المأكول في أجزاء الآكل فإن اعيد فأجزاء المأكول إما أن تعاد إلى بدن الآكل فلايبقى للمأكول أجزاء يخلق منها أعضاء ، وإما أن يعاد إلى بدن المأكول منه فلا يبقىللآكل أجزاء ، فقال تعالى في إبطال هذه الشبهة : « وهو بكل خلق عليم » ووجهه أنفي الآكل أجزاء أصلية وأجزاء فضلية ، وفي المأكول كذلك ، فإذا أكل إنسان إنساناصار الاصلي من أجزاء المأكول فضليا من أجزاء الآكل ، والاجزاء الاصلية للآكلهي ما كان له قبل الاكل ، والله بكل شئ عليم يعلم الاصلي من الفضلي ، فيجمعالاجزاء الاصلية للآكل وينفخ فيها روحه ، ويجمع الاجزاء الاصلية للمأكول و