(باب 8) أحوال البرزخ والقبر وعذابه وسؤاله وسائر ما يتعلق بذلك
يفسد قولهم من بعد مادل على أن الانسان المأمور المنهي هو الجوهر البسيط ، وأنالاجزاء المؤلفة لا يصح أن تكون فعالة ، ودلائل ذلك يطول بإثباتها الكتاب ، وفيماأومأنا إليه منها كفاية فيما تعلق به السؤال وبالله التوفيق.
وسئل عنه قدس الله روحه في المسائل العكبرية عن قول الله تعالى : « ولا تحسبنالذين قتلوا في سبيل الله » الآية ، هل يكون الرزق لغير جسم؟ وما صورة هذه الحياة؟فإنا مجمعون على أن الجواهر لا تبلى شيئا ، فما الفرق حينئذ في الحياة بين المؤمنوالكافر؟ فأجاب رحمه الله بأن الرزق لا يكون عندنا إلا للحيوان ، والحيوان عندنا ليسوابأجسام بل ذوات اخرجوا في هذه الدار إلى الاجساد ، وتعذر عليهم كثير من الافعالإلا بها ، فإن اغنوا عنها بعد الوفات جاز أن يرزقوا مع عدمها رزقا يحصل لهم به اللذات ، وإن افتقروا إليها كان الرزق لهم حينئذ بحسبه في الدنيا على السواء ، فأما قوله : ما صورة هذه الحياة؟ فالحياة لا صورة لها لانها عرض من الاعراض وهي تقوم بالذاتالفعالة دون الاجساد التي تقوم بها حياة النمو دون الحياة التي هي شرط في العلموالقدرة ونحوهما من الاعراض ، وقوله : إنا مجمعون على أن الجواهر لا تبلى شيئافليس ذلك كما ظن ، ولو كان كما توهم لم يمتنع أن توجد الحياة لبعض الجواهر وترفععن بعض ، كما توجد حياة النمو لبعض الاجساد وترفع من بعض بالاتفاق ، ولو قلنا : إن الحياة بعد النقلة من هذه الدار تعم أهل الكفر والايمان لم يفسد ذلك علينا أصلافي الدين ، فكانت الحياة لاهل الايمان شرطا في وصول اللذات إليهم ، والحياة لاهلالكفر شرطا في وصول الآلام إليهم بالعقاب انتهى.
وقال شارح المقاصد : اتفق الاسلاميون على حقيقة سؤال منكر ونكير فيالقبر وعذاب الكفار وبعض العصاة فيه ، ونسب خلافه إلى بعض المعتزلة ، قال بعضالمتأخرين منهم : حكي إنكار ذلك عن ضرار بن عمرو ، وإنما نسب إلى المعتزلة ـ وهم برآء منه ـ لمخالطة ضرار إياهم ، وتبعه قوم من السفهاء من المعاندين للحق ونحوه ، قال في المواقف : وقال المحقق الدواني في شرح العقائد العضدية : عذابالقبر للمؤمن والفاسق والكافر حق لقوله تعالى : « النار يعرضون عليها غدوا وعشيا »