34 ( باب ثواب البكاء على مصيبته ، ومصائب الائمة عليهم السلام ، وفيه أدب المأتم يوم عاشورا )
فالتفت يمينا وشمالا وإذا هو بحوض عظيم الطول والعرض ، قال : قلتفي نفسي : هذا هو الكوثر فإذا فيه ماء أبرد من الثلج وأحلى من العذب ، وإذا عندالحوض رجلان وامرأة أنوارهم تشرق على الخلائق ، ومع ذلك لبسهم السوادوهم باكون محزونون فقلت : من هؤلاء؟ فقيل لي : هذا محمد المصطفى ، وهذا الامامعلي المرتضى ، وهذه الطاهرة فاطمة الزهراء فقلت : ما لي أراهم لا بسين السوادوباكين ومحزونين؟ فقيل لي : أليس هذا يوم عاشورا ، يوم مقتل الحسين؟ فهممحزونون لاجل ذلك.
فمن كان يبكى على الحسين أو يرثيه أو يزوره في ذاك الظرف لم يكن فعله ذلكحسرة وعزاء وتسلية فقط ، بل محاربة لاعداء الدين وجهادا في سبيل الله مع ما يقاسونه منالجهد والبلاء والتشريد والتنكيل فحق على الله ان يثيب المجاهد في سبيله ويرزقه الجنةبغير حساب.
ذلك بأنهم يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ، ولا يطأون موطئا بغيظ الكفارولا ينالون من عدو نيلا الاكتب لهم به عمل صالح ان الله لا يضيع أجر المحسنين.
ففى مثل ذاك الزمان كما رأينا قبل عشرين سنة في ايران لم يكن ليبكى علىالحسين وينشد فيه الرثاء الا كل مؤمن وفى ، أهل التقوى واليقين ، لما في ذلك من العذابوالتنكيل ، لا كل فاسق وشارب حتى يستشكل في الاحاديث.
بل كان هؤلاء الفساق في ذاك الظرف مستظهرين بسلطان بنى أمية ، منحازين إلىالفئة الباغية يتجسسون خلال الديار ليأخذوا على أيدى الشيعة ، ويمنعوهم من احياء ذكرالحسين ، كما اقتحموا دار أبى عبدالله الصداق بعد ما سمعوا صراخ الويل والبكاء منداره عليه السلام.
وأما في زمان لامحاربة بين أهل البيت وأعدائهم كزماننا هذا فلا يصدق على ذكرالحسين والبكاء عليه عنوان الجهاد ، كما أنه لا يلقى ذاكر الحسين الا الذكر الجميل والثناءالحسن. بل يأخذ بذلك اجرة ، والباكى على الحسين يشرف ويكرم ويقال له قدمت خيرمقدم ويقدم اليه ما يشرب ويتفكه.