باب القضاء والقدر (1) والمشية والارادة وسائر أسباب الفعل
يشاء إلا الجميل من الاعمال ، ولا يريد القبائح ، ولا يشاء الفواحش ، تعالى الله عما يقولالمبطلون علوا كبيرا ، قال الله تعالى : «وما الله يريد ظلما للعباد» وقال : «يريد اللهبكم اليسر ولا يريد بكم العسر» وقال : «يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذينمن قبلكم» الآية «والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أنتميلوا ميلا عظيما ; يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا» فخبر سبحانه أنهلا يريد لعباده العسر ، بل يريد بهم اليسر ، وأنه يريد لهم البيان ، ولا يريد لهم الضلال ، ويريد التخفيف عنهم ، ولا يريد التثقيل عليهم ، فلو كان سبحانه مريدا لمعاصيهم لنا في ذلكإرادة البيان لهم ، أو التخفيف عنهم واليسر لهم ، فكتاب الله تعالى شاهد بضد ما ذهبإليه الضالون المفترون على الله الكذب ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.فأما ما تعلقوا به من قوله تعالى : «فمن يرد الله أن يهديه» الآية فليس للمجبرةبه تعلق ولا فيه حجة ، من قبل أن المعنى فيه من أراد الله تعالى أن ينعمه ويثيبه جزاءاعلى طاعته شرح صدره للاسلام بالالطاف التي يحبوه بها ، فييسر له بها استدامة أعمالالطاعات ، والهداية في هذا الموضع هي التنعيم ، قال الله تعالى ـ فيما خبر به عن أهلالجنة ـ : «الحمد لله الذي هدانا لهذا» (1) الآية أي نعمنا به وأثابنا إياه ، والضلالفي هذه الآية هو العذاب ، قال الله تعالى : «إن المجرمين في ضلال وسعر» (2) فسمي العذابضلالا والنعيم هداية ، والاصل في ذلك أن الضلال هو الهلاك ، والهداية هي النجاة ، قال الله تعالى ـ حكاية عن العرب ـ : «أئذا ضللنا في الارض أئنا لفي خلق جديد» (3)يعنون إذا هلكنا فيها ، وكأن المعنى في قوله : «فمن يرد الله أن يهديه» ما قدمناه «ومنيرد أن يضله» ما وصفناه ، والمعنى في قوله : «يجعل صدره ضيقا حرجا» يريد سلبهالتوفيق عقوبة له على عصيانه ، ومنعه الالطاف جزاءا له على إساءته ، فشرح الصدر : ثواب الطاعة بالتوفيق ، وتضييقه : عقاب المعصية بمنع التوفيق ، وليس في هذه الآية علىما بيناه شبهة لاهل الخلاف فيما ادعوه من أن الله تعالى يضل عن الايمان ، ويصد________________
(1) الاعراف : 43.