باب 2 آخر وهو من الباب الاول
وأما التفويض فهو ما ذهب إليه المعتزلة من أنه تعالى أوجد العباد وأقدرهمعلى تلك الافعال ، وفوض إليهم الاختيار. فهم مستقلون بإيجادها على وفق مشيتهموقدرتهم ، وليس لله في أفعالهم صنع.
وأما الامر بين الامرين فالذي ظهر مما سبق من الاخبار هو أن لهداياته وتوفيقاتهتعالى مدخلا في أفعال العباد بحيث لا يصل إلى حد الالجاء والاضطرار كما أن سيداأمر عبده بشئ يقدر على فعله ، وفهمه ذلك ، ووعده على فعله شيئا من الثواب ، وعلىتركه شيئا من العقاب فلو اكتفى من تكليف عبده بذلك ولم يزد عليه مع علمه بأنه لايفعل الفعل بمحض ذلك لم يكن ملوما عند العقلاء لو عاقبه على تركه ، ولا يقول عاقلبأنه أجبره على ترك الفعل ، ولو لم يكتف السيد بذلك وزاد في ألطافه ، والوعدبإكرامه ، والوعيد على تركه ، وأكد ذلك ببعث من يحثه على الفعل ويرغبه فيه ، ثمفعل بقدرته واختياره ذلك الفعل فلا يقول عاقل بأنه جبره على ذلك الفعل ; وأما فعلذلك بالنسبة إلى جماعة وتركه بالنسبة إلى آخرين فيرجع إلى حسن اختيارهم وصفاءطويتهم ، أو سوء اختيارهم وقبح سريرتهم ، فالقول بهذا لا يوجب نسبة الظلم إليه تعالىبأن يجبرهم على المعاصي ثم يعذبهم عليها كما يلزم الاولين ، ولا عز له تعالى عن ملكه ، واستقلال العباد بحيث لا مدخل لله في أفعالهم فيكونون شركاء لله في تدبير عالم الوجودكما يلزم الآخرين ، وقد مرت شواهد هذا المعنى في الاخبار ; ويؤيده ما رواه الكليني ، عن أبى عبدالله 7 أنه سأله رجل : أجبر الله العباد على المعاصي؟ قال : لا ; فقال : ففوضإليهم الامر؟ قال : لا ، قال : فماذا؟ قال : لطف من ربك بين ذلك. (1) ويظهر من(2)________________
(1) أورده الكلينى في باب الجبر والقدر من الكافى باسناده عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بنمحمد بن الحسن زعلان ، عن أبى طالب القمى ، عن رجل ، عن أبى عبدالله 7.
(2) ومرجع الخبرين في مؤداهما واحد ، وهو الذى يشاهده كل إنسان من نفسه عيانا وهو أنهمع قطع النظر عن سائر الاسباب من الموجبات والموانع يملك اختيار الفعل أو الترك فله أن يفعلوله أن يترك ، وأما كونه مالكا للاختيار فانما ملكه إياه ربه سبحانه كما في الاخبار ; ومن أحسن الامثلةلذلك مثال المولى اذا ملك عبده ما يحتاج إليه في حياته من مال يتصرف فيه وزوجة يأنس اليها ودار يسكنها وأثاث ومتاع فان قلنا أن هذا التمليك يبطل ملك المولى كان قولا بالتفويض ، وإن قلناأن ذلك لا يوجب للعبد ملكا والمولى باق على مالكيته كما كان كان قولا بالجبر ، وان قلنا ان العبد يملكبذلك والمولى مالك لجميع ما يملكه في عين ملكه وأنه من كمال ملك المولى كان قولا بالامر بينالامرين. ط