باب 2 آخر وهو من الباب الاول
كثير ممن خلقنا تفضيلا» فقد أخبر عزوجل عن تفضيله بني آدم على سائر خلقه منالبهائم والسباع ودواب البحر والطير وكل ذي حركة تدركه حواس بني آدم بتمييزالعقل والنطق ، وذلك قوله «لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم» وقوله «ياأيهاالانسان ماغرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك»وفي آيات كثيرة ، فأول نعمة الله على الانسان صحة عقله وتفضيله على كثير من خلقه بكمالالعقل وتمييز البيان ، وذلك أن كل ذي حركة على بسيط الارض هو قائم بنفسه بحواسهمستكمل في ذاته ففضل بني آدم بالنطق الذي ليس في غيره من الخلق المدرك بالحواس ، فمن أجل النطق ملك الله ابن آدم غيره من الخلق حتى صار آمرا ناهيا ، وغيرهمسخر له ، كما قال الله : «كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم» وقال : «وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها»وقال : «والانعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحونوحين تسرحون وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الانفس» فمن أجلذلك دعا الله الانسان إلى اتباع أمره وإلى طاعته بتفضيله إياه باستواء الخلق وكمالالنطق والمعرفة ، بعد أن ملكهم استطاعة ما كان تعبدهم به بقوله : «فاتقوا الله مااستطعتم واسمعوا وأطيعو» وقوله : «لا يكلف الله نفسا إلا وسعها» وقوله : «لا يكلفالله نفسا إلا ما آتيها» وفي آيات كثيرة.
فإذا سلب العبد حاسة من حواسه رفع العمل عنه بحاسته كقوله : «ليس علىالاعمى حرح ولا على الاعرج حرج» الآية ، فقد رفع عن كل من كان بهذه الصفة الجهادوجميع الاعمال التي لا يقوم إلا بها ، وكذلك أوجب على ذي اليسار الحج والزكاة لماملكه من استطاعة ذلك ، ولم يوجب على الفقير الزكاة والحج ، قوله تعالى : «وللهعلى الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا» وقوله في الظهار : «والذين يظاهرونمن نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة» إلى قوله : «فمن لم يستطع فإطعام ستينمسكينا» كل ذلك دليل على أن الله تبارك وتعالى لم يكلف عباده إلا ما ملكهم استطاعتهبقوة العمل به ، ونهاهم عن مثل ذلك فهذه صحة الخلقة.