باب 18 الوعد والوعيد والحبط والتكفير
والعقاب بمقتضى الوعد والوعيد ثابت من غير حبوط ، والمشهور من مذهب المعتزلة أنهمن أهل الخلود في النار إذا مات قبل التوبة ، فأشكل عليهم الامر في إيمانه وطاعاته ، وما يثبت من استحقاقاته ، أين طارت؟ وكيف زالت؟ فقالوا : بحبوط الطاعات ، ومالوا إلى أن السيئات يذهبن الحسنات ، حتى ذهبت الجمهور منهم إلى أن الكبيرةالواحدة تحبط ثواب جميع العبادات. وفساده ظاهر ، أما سمعا فللنصوص الدالة علىأن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا وعمل صالحا ، وأما عقلا فللقطع بأنهلا يحسن من الحليم الكريم إبطال ثواب إيمان العبد ومواظبته على الطاعات طول العمربتناول لقمة من الربا ، أو جرعة من الخمر. قالوا : الاحباط مصرح في التنزيل ، كقولهتعالى : «ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم ، اولئك حبطتأعمالهم ، ولا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى» قلنا : لا بالمعنى الذي قصدتم ، بل بمعنىأن من عمل عملا استحق به الذم ، وكان يمكنه أن يعمله على وجه يستحق به المدحوالثواب ; يقال : إنه أحبط عمله كالصدقة مع المن والاذى وبدونها. وأما إحباطالطاعات بالكفر بمعنى أنه لا يثاب عليها البتة فليس من التنازع في شئ ; وحين تنبهأبوعلي وأبوهاشم لفساد هذا الرأي رجعا من التمادي بعض الرجوع ، فقالا : إن المعاصيإنما يحبط الطاعات إذا اوردت عليها ، وإن اوردت الطاعات أحبطت المعاصي ، ثمليس النظر إلى أعداد الطاعات والمعاصي بل إلى مقادير الاوزار والاجور ، فربكبيرة يغلب وزرها أجر طاعات كثيرة ، ولا سبيل إلى ضبط ذلك بل هو مفوض إلىعلم الله تعالى ، ثم افترقا فزعم أبوعلي أن الاقل يسقط ولا يسقط من الاكثر شيئا ، ويكون سقوط الاقل عقابا إذا كان الساقط ثوابا ، وثوابا إذا كان الساقط عقابا ، وهذاهو الاحباط المحض. قال أبوهاشم : الاقل يسقط ويسقط من الاكثر ما يقابله ، مثلامن له مائة جزء من العقاب واكتسب ألف جزء من الثواب فإنه يسقط منه العقاب ومائةجزء من الثواب بمقابلته ، ويبقى له تسعمائة جزء من الثواب ، وكذا العكس ، وهذا هوالقول بالموازنة انتهى كلامه.
أقول : الحق أنه لا يمكن إنكار سقوط ثواب الايمان بالكفر اللاحق الذي