باب 14 من رفع عنه القلم ، ونفى الحرج في الدين ، وشرائط صحة التكليف وما يعذر فيه الجاهل وأنه يلزم على الله التعريف
في قوله : «ما كانوا يستطيعون السمع» ليست للنفي بل تجري مجرى قولهم : لاواصلنكما لاح نجم ، ويكون المعنى : أن العذاب يضاعف لهم في الآخرة ما كانوا يستطيعون السمعوما كانوا يبصرون ، أي أنهم معذبون ما كانوا أحياءا.
وقال رحمه الله في تأويل قوله تعالى : «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا» [1] قيل : المرادبنسينا تركنا ، قال قطرب : معنى النسيان ههنا الترك ، كما قال تعالى : «ولقد عهدناإلى آدم من قبل فنسى» [2] أي ترك ، ولولا ذلك لم يكن فعله معصية ، وكقوله تعالى : «نسوا الله فنسيهم» [3] أى تركوا طاعته فتركهم من ثوابه ورحمته ، وقد يقول الرجللصاحبه : لا تنسني من عطيتك أي لا تتركني منها ، وقد يمكن في الآية وجه آخر وهو أن يحمل النسيان على السهو وفقد العلوم ، ويكون وجه الدعاء بذلك ما قد بيناهفيما تقدم من السؤال على سبيل الانقطاع إلى الله والاستغاثة به وإن كان مأمونا منهالمؤاخذه بمثله ، ويجري مجرى قوله : «ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به» وهذا الوجه أيضايمكن في قوله : «أو أخطأنا» إذا كان الخطاء ما وقع سهوا أو عن غير عمد ، فأما على مايطابق الوجه الاول فقد يجوز أن يريد بالخطاء ما يفعل من المعاصي بالتأويل السيئ ، وعن جهل بأنها معاص ، لان من قصد شيئا على اعتقاده أنه بصفة فوقع ما هو بخلافمعتقده يقال : قد أخطأ فكأنه أمرهم بأن يستغفروا مما تركوه متعمدين من غير سهوولا تأويل ، ومما أقدموا عليه مخطئين متأولين ، ويمكن أيضا أن يريد بأخطأنا ههناأذنبنا وفعلنا قبيحا ، وإن كانوا له متعمدين وبه عالمين ، لان جميع معاصينا لله تعالىقد يوصف كلها بأنها خطأ من حيث فارقت الصواب ، وإن كان فاعلها متعمدا ، وكأنهأمرهم بأن يستغفروا مما تركوه من الواجبات ، ومما فعلوه من المقبحات ليشتملالكلام على جهتي الذنوب ، والله أعلم بمراده.