باب 10 الطينة والميثاق
والفرس لا يشتكي قولا ، لكنه ظهر منه علامة الخوف والجزع ، فسمى ذلكقولا. ومنه قول الآخر :
وشكى إلي جملي طول السرى. (1)
والجمل لا يتكلم ، لكنه لما ظهر منه النصب والوصب لطول السرى عبر عنهذه العلامة بالشكوى التي تكون كالنطق والكلام ، ومنه قولهم أيضا :
والحوض لم يقل قطني ، لكنه لما امتلا بالماء عبر عنه بأنه قال : حسبي ، ولذلكأمثال كثيرة في منثور كلام العرب ومنظومه ، وهو من الشواهد على ما ذكرناه في تأويلالآية والله تعالى نسأل التوفيق.
فصل : فأما الخبر أن الله تعالى خلق الارواح قبل الاجساد بألفي عام فهومن أخبار الآحاد ، وقد روته العامة كما روته الخاصة ، وليس هو مع ذلك مما يقطععلى الله بصحته ، وإنما نقله رواته لحسن الظن به ، وإن ثبت القول فالمعنى فيه أن اللهتعالى قدر الارواح في علمه قبل اختراع الاجساد ، واخترع الاجساد واخترع لها الارواحفالخلق للارواح قبل الاجساد خلق تقدير في العلم كما قدمناه ، وليس بخلق لذواتهاكما وصفناه ، والخلق لها بالاحدات والاختراع بعد خلق الاشسام ، والصور التيتدبرها الارواح ، ولولا أن ذلك كذلك لكانت الارواح تقوم بأنفسها ، ولا تحتاجإلى آلات يعتملها ، ولكنا نعرف ما سلف لنا من الاحوال قبل خلق الاجساد ، كما نعلمأحوالنا بعد خلق الاجساد ، وهذا محال لا خفاء بفساده.
وأما الحديث بأن الارواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكرمنها اختلف ، فالمعنى فيه أن الارواح التي هي الجواهر البسائط تتناصر بالجنسوتتخاذل بالعوارض ، فما تعارف منها باتفاق الرأي والهوى ائتلف ، وما تناكر منها________________
(1) بضم السين : سير الليل.
(2) أى حسبى.