2 (باب آخر)(في كيفية صدور الوحى ، ونزول جبرئيل عليه السلام ، وعلة احتباس الوحى ، وبيان أنه صلى الله عليه وآله هل كان قبل البعثة متعبدا بشريعه أم لا)
الثالث : أنه صلى الله عليه وآله علم وجوب العمل بشريعة من قبله بالوحي ، وأخذ الشريعةمن أربابها ، وهذا مع تضمنه للمطلوب كما عرفت ـ إذ لا يلزم منه إلا أن يكون نبيااوحي إليه أن يعمل بشريعة موافقة لشريعة من تقدمه ـ باطل بما عرفت من العلم بعدمرجوعه صلى الله عليه وآله إلى أرباب الشرائع قط في شئ من اموره ، وأما عكس ذلك فهو غير متصورإذ لا يجوز عاقل أن يوحي الله إلى عبده بكيفية شريعة لان يعمل بها ولا يأمره بالعملبها حتى يلزمه الرجوع في ذلك إلى غيره ، مع أنه يلزم أن يكون تابعا لغيره مفضولاوقد عرفت بطلانه ، ثم إن قول من ذهب إلى أنه صلى الله عليه وآله كان عاملا بالشرائع المنسوخةكشريعة نوح وموسى عليهما السلام فهو أشد فسادا ، لانه بعد نسخ شرائعهم كيف جاز له صلى الله عليه وآلهالعمل بها إلا بأن يعلم بالوحي أنه يلزمه العمل بها ، ومع ذلك لا يكون عاملا بتلكالشريعة ، بل بشريعة نفسه موافقا لشرائعهم كما عرفت ، وأما استدلالهم بقوله تعالى : « ماكنت تدري ما الكتاب ولا الايمان [1] » فلا يدل إلا على أنه صلى الله عليه وآله كان في حال لم يكنيعلم القرآن ، وبعض شرائع الايمان ، ولعل ذلك كان في حال ولادته قبل تأييده بروحالقدس ، كما دلت عليه رواية أبي حمزة [2] وغيرها ، وهذا لا ينافي نبوته قبل الرسالة ، والعمل بشريعة نفسه قبل نزول الكتاب ، وبعد ما قررنا المطلوب في هذا الباب وما ذكرنامن الدلائل لا يخفى عليك ضعف بعض ما نقلنا في ذلك عن بعض الاعاظم ، ولا نتعرضللقدح فيها بعد وضوح الحق ، ولو أردنا الاستقصاء في إيراد الدلائل ودفع الشبهة لطالالكلام ، ولخرجنا عن مقصودنا من الكتاب ، والله الموفق للصواب [3].