2 (باب آخر)(في كيفية صدور الوحى ، ونزول جبرئيل عليه السلام ، وعلة احتباس الوحى ، وبيان أنه صلى الله عليه وآله هل كان قبل البعثة متعبدا بشريعه أم لا)
الرابع : لو كان متعبدا بشرع من قبله لكان طريقه إلى ذلك إما الوحي أو النقل ، ويلزم من الاول أن يكون شرعا له لا شرعا لغيره ، ومن الثاني التعويل على نقل اليهودوهو باطل ، لانه ليس بمتواتر ، لما تطرق إليه من القدح المانع من إفاده اليقين ، ونقلالآحاد منهم لا يوجب العمل لعدم الثقة.
واحتج الآخرون بقوله تعالى : « فبهداهم اقتده [1] » وبقوله : « ثم أوحينا إليكأن اتبع ملة إبراهيم حنيفا [2] » وبقوله : « شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا [3] »وبقوله : « إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين [4] » وبقوله : «إنا أنزلناالتوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون [5] » وبأنه صلى الله عليه وآله رجع في معرفة الرجم فيالزنا إلى التوراة.
أجاب الاولون عن الآية الاولى بأنها تتضمن الامر بالاهتداء بهداهم كلهم ، فلا يكون ذلك إشارة إلى شرعهم ، لانه مختلف ، فيجب صرفه إلى ما اتفقوا عليه ، وهودلائل العقائد العقلية دون الفروع الشرعية.
وعن الثاني بأن ملة إبراهيم عليه السلام المراد بها العقليات دون الشرعيات [6] يدلعلى ذلك قوله : « ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه [7] » فلو أراد الشرعياتلما جاز نسخ شئ منها ، وقد نسخ كثير من شرعه ، فتعين أن المراد منه العقليات.
وعن الآية الثالثة أنه لا يلزم من وصية نوح عليه السلام بشرعنا أنه أمره به ، بليحتمل أن يكون وصايته به أمرا منه بقبوله عند أعقابهم إلى زمانه صلى الله عليه وآله ، أو وصى به
- (1) النساء : 90 ↩
- (2) النحل : 123. ↩
- (3) الشورى : 13. ↩
- (4) النساء : 163. ↩
- (5) المائدة : 44. ↩
- (6) وربما يقال : ان هذا التوجيه لا ينطبق على مثل قوله تعالى : « ما جعل عليكم في الدينمن حرج ملة أبيكم ابراهيم هو سماكم المسلمين » حيث ظاهره عدم الحرج في الفروع ، الا أن يقالذلك أيضا في الحرج الشديد المنتفى عقلا فيكون من العقليات أيضا. ↩
- (7) البقرة : 130. ↩