2 (باب آخر)(في كيفية صدور الوحى ، ونزول جبرئيل عليه السلام ، وعلة احتباس الوحى ، وبيان أنه صلى الله عليه وآله هل كان قبل البعثة متعبدا بشريعه أم لا)
التوراة ، وانتظاره فيها نزول الوحي ، ولو كان متعبدا بشريعة موسى عليه السلام لما جرى ذلك ، وأيضا فلو كان الامر على ما قالوه لكان يجب أن يجعل صلى الله عليه وآله كتب من تقدمه في الاحكامبمنزلة الادلة الشرعية ، ومعلوم خلافه ، وأيضا فقد نبه صلى الله عليه وآله في خبر معاذ على الادلةفلم يذكر في جملتها التوراة والانجيل ، وأيضا فإن كل شريعته مضافة إليه بالاجماع ، ولو كان متعبدا بشرع غيره لما جاز ذلك ، وأيضا فلا خلاف بين الامة في أنه صلى الله عليه وآله لم يؤدإلينا من اصول الشرائع إلا ما اوحي إليه وحمله ، وأيضا فإنه لا خلاف في أن شريعتهصلى الله عليه وآله ناسخة لكل الشرائع المتقدمة من غير استثناء ، فلو كان الامر كماقالوه لما صح هذا الاطلاق ، وأيضا فإن شرائع من تقدم مختلفة متضادة فلا يصح كونهمتعبدا بكلها فلابد من تخصيص ودليل يقتضيه ، فإن ادعوا أنه متعبد بشريعة عيسىعليه السلام بأنها ناسخة لشريعة من تقدم فذلك منهم ينقض تعلقهم بتعرفه صلى الله عليه وآله مناليهود في التوراة ، فأما رجوعه في رجم المحصن إليها فلم يكن لانه كان متعبدا بذلك ، لانه لو كان الرجوع لهذه العلة لرجع صلى الله عليه وآله في غير هذا الحكم إليها ، وإنما رجع لامرآخر ، وقد قيل : إن سبب الرجوع أنه صلى الله عليه وآله كان خبر بأن حكمه في الرجم يوافقما في التوراة فرجع إليها تصديقا لخبره ، وتحقيقا لقوله صلى الله عليه وآله انتهى.
وقال المحقق أبوالقاسم الحلي طيب الله رمسه في اصوله : شريعة من قبلنا هل هيحجة في شرعنا؟ قال قوم : نعم ما لم يثبت نسخ ذلك الحكم بعينه. وأنكر الباقون ذلكوهو الحق ، لنا وجوه :
الاول : قوله تعالى : « وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى [1] ».
الثاني : لو كان متعبدا بشرع غيره لكان ذلك الغير أفضل ، لانه يكون تابعا لصاحبذلك الشرع ، وذلك باطل بالاتفاق.
الثالث : لوكان متعبدا بشرع غيره لوجب عليه البحث عن ذلك الشرع ، لكن ذلكباطل ، لانه لو وجب لفعله ، ولو فعله لاشتهر ، ولوجب على الصحابة والتابعين بعدهوالمسلمين إلى يومنا هذا متابعته صلى الله عليه وآله على الخوص فيه ، ونحن نعلم من الدينخلاف ذلك.
- (1) النجم : 3 و 4. ↩