( باب 4 )* ( منشأه ورضاعه وما ظهر من اعجازه عند ذلك إلى نبوته صلى الله عليه وآله )
أوسطنا نسبا ، وهو ابن أخي هذا الرجل ، يعنون أباطالب ، وهو من ولد عبدالمطلب ، فقام الحارث بن عبدالمطلب بن عبد مناف وقال : والله أن كان بنا للوم أن يتخلف ابن عبدالمطلبمن بيننا ، ثم قام إليه فاحتضنه وأقبل به حتى أجلسه على الطعام ، والغمامة تسير علىرأسه ، وجعل بجيرا يلحظه لحظا شديدا ، وينظر إلى أشياء في جسده قد كان يجدها عندهمن صفته ، فلما تفرقوا عن طعامهم قام إليه الراهب فقال : يا غلام أسألك بحق اللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : لا تسألني بالات والعزى ، فواللهما أبغضت شيئا بغضهما ، قال : بالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه ، قال : سلني عما بدالك ، فجعل يسأله عن أشياء من حاله حتى نومه ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يخبره فيوافق ذلكما عنده ، ثم جعل ينظر بين عينيه ، ثم كشف عن ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه علىموضع الصفة التي عنده ، فقبل موضع الخاتم ، وقالت قريش : إن لمحمد صلى الله عليه وآله عند هذاالراهب لقدرا ، وجعل أبوطالب لما يرى من الراهب يخاف على ابن أخيه ، قال الراهبلابي طالب : ما هذا الغلام منك؟ قال أبوطالب : ابني ، قال : ما هو ابنك ، وما ينبغي لهذاالغلام أن يكون أبوه حيا ، قال : فابن أخي ، قال : فما فعل أبوه؟ قال : هلك وامهحبلى به ، قال : فما فعلت امه؟ قال : توفيت قريبا ، قال : صدقت ، ارجع بابن أخيك إلىبلده ، واحذر عليه اليهود ، فو الله لئن رأوه وعرفوا منه ما أعرف ليبلعنه [1] غشا ، فإنهكائن لابن أخيك هذا شأن عظيم ، نجده في كتبنا ، وما روينا عن آبائنا ، واعلم أني قدأديت إليك النصيحة ، فلما فرغوا من تجارتهم خرج به سريعا ، وكان رجال من يهودقد رأوا رسول الله صلى الله عليه وآله وعرفوا صفته فأرادو أن يغتالوه فذهبوا إلى بحيرا فذاكروه أمره ، فنهاهم أشد النهي ، وقال لهم : أتجدون صفته؟ قالوا : نعم ، قال : فما لكم إليه سبيل ، فصدقوه وتركوه ، ورجع به أبوطالب ، فما خرج به سفرا بعد ذلك خوفا عليه.وكان في سنة أربع عشرة من مولده صلى الله عليه وآله الفجار الآخر بين هوازن وقريش ، وحضرهرسول الله صلى الله عليه وآله.
وفي سنة سبع عشرة وثبت العظمآء والاشراف بالمدائن فخلعوا هرمز ، وسملوا
- (1) في المصدر : ليبغنه غبنا. قلت : لعله من بغى الشئ : طلبه ، والغبن : المكر والخديعة. ↩