( باب 4 )* ( منشأه ورضاعه وما ظهر من اعجازه عند ذلك إلى نبوته صلى الله عليه وآله )
وكان ذا علم في النصرانية ، ولم يزل في تلك الصومعة راهب يصير إليه علمهم من كتاب فيمايزعمون يتوارثون كابرا عن كابر.
يقال : أضب على ما في نفسه : إذا أخرجه ، وأضب : تكلم ، ويقال : جاء فلان يضبلسانه أي اشتد حرصه.
وروي (1) عن داود بن الحسين قال : لما خرج أبوطالب إلى الشام وخرج معهرسول الله صلى الله عليه وآله في المرة الاولى وهو ابن اثنتى عشرة سنة ، فلما نزل الركب بصرى لاشاموبها راهب يقال له : بحيرا في صومعة له ، وكان علماء النصارى يكونون في تلك الصومعةيتوارثونها عن كتاب يدرسونه ، فلما نزلوا ببحيرا وكان كثيرا ما يمرون به لا يكلمهمحتى إذا كان ذلك العام ونزلوا منزلا قريبا من صومعته. قد كانوا ينزلونه قبل ذلك كلمامروا ، فصنع لهم طعاما ثم دعاهم ، وإنما حمله على دعاءهم أنه رأى حين طلعوا غمامةتظل رسول الله صلى الله عليه وآله من بين القوم حتى نزلوا تحت الشجرة ، ثم نظر إلى تلك الغمامةأظلت تلك الشجرة ، وأخضلت أغصان الشجرة على النبي صلى الله عليه وآله حين استظل تحتها ، فلما رأى بحيرا ذلك نزل من صومعته وأمر بذلك الطعام فاتي به ، فأرسل إليهم فقال : إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريس ، وأنا احب أن تحضوه كلكم ولا تخلفون (2) منكمصغيرا ولا كبيرا ، حرا ولا عبدا ، فإن هذا شئ تكرموني به ، فقال له رجل : إن لك لشأنابا بحيرا ، ما كنت تصنع بنا هذا ، فما شأنك اليوم؟ قال : فإنى أحببت أن اكرمكم ولكمحق ، فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله صلى الله عليه وآله من بين القوم لحداثة سنه ، ليس في القومأصغر منه في رحالهم تحت الشجرة ، فلما نظرا بحيرا إلى القوم فلم ير الصفة التي يعرفهاويجدها عنده ، وجعل ينظر فلا يرى الغمامة على أحد من القوم ، ويارها متخلفة على رأسرسول الله صلى الله عليه وآله ، قال بحيرا : يا معشر قريش لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي ، قالوا : ماتخلف أحد إلا غلام هو أحدث القوم سنا في رحالهم ، فقال : ادعوه فليحضر طعامي ، فماأقبح أن تحضروا ويتخلف رجل واحد ، مع أني أراه من أنفسكم فقال القوم : هو والله