( باب 31 ) * ( ماورد بلفظ نبي من الانبياء وبعض نوادر أحوالهم وأحوال اممهم وفيه ذكر نبي المجوس )
دفاع ، حتى إذ رأى الله جد الصبر منهم على الاذى في محبته ، والاحتمال للمكروه منخوفه ، جعل لهم من مضائق البلاء فرجا ، فأبدلهم العز مكان الذل ، والامن مكان الخوففصاروا ملوكا حكاما ، وأئمة أعلاما ، وبلغت الكرامة من الله لهم مالم تذهب (1) الآمالإليه بهم ، فانظروا كيف كانوا حيث كانت الاملاء مجتمعة ، والاهواء متفقة ، والقلوبمعتدلة ، والايدي مترادفة ، والسيوف متناصرة ، والبصائر نافذة ، والعزائم واحدة ، ألميكونوا أربابا في أقطار الارضين؟ وملوكا على رقاب العالمين؟ فانظروا إلى ماصاروا إليهفي آخر أمورهم حين وقعت الفرقة ، وتشتت الالفة ، واختلفت الكلمة والافئدة ، وتشعبوامختلفين ، وتفرقوا متحازبين ، (2) قد خلع الله عنهم لباس كرامته ، وسلبهم غضارة نعمته ، وبقي قصص أخبارهم فيكم عبرا للمعتبرين منكم. (3)
فاعتبروا (4) بحال ولد إسماعيل وبني إسحاق وبني إسرائيل عليهم السلام ، فما أشداعتدال الاحوال ، وأقرب اشتباه الامثال ، (5) تأملوا أمرهم في حال تشتتهم وتفرقهمليالي كانت الاكاسرة والقياصرة أربابا لهم يحتازونهم عن ريف الآفاق ، وبحر العراق ، وخضرة الدنيا إلى منابت الشيح ، ومهافي الريح ، ونكد المعاش ، فتركوهم عالة مساكينإخوان دبر ووبر ، أذل الامم دارا ، وأجدبهم قرارا ، لا يأوون إلى جناح دعوة يعتصمونبها ، ولا إلى ظل ألفة يعتمدون على عزها ، فالاحوال مضطربة ، والايدي مختلفة ، والكثرة متفرقة ، في بلاء أزل ، وإطباق جهل ، من بنات موؤودة ، وأصنام معبودة ، وأرحاممقطوعة ، وغارات مشنونة.
فانظروا إلى مواقع نعم الله عليهم حين بعث إليهم رسولا (6) فعقد بملته طاعتهم__________________
(1) في المصدر : مالم تبلغ.
(2) في نسخة من المصدر : متحاربين.
(3) المصدر خلى عن كلمة « منكم ».
(4) في المصدر : واعتبروا.
(5) الاعتدال : التناسب. والاشتباه : التشابه.
(6) المراد نبينا محمد صلى الله عليه وآله.