الطعن الثالث :
جميع الأمة ، فيلزم على ما فهم من دلالة الشهادة على البقاء وتأخر الموت أن يعتقد تأخر موت كل واحد من الأمة عن الناس ، فكان عليه أن لا يذعن بموت أحد من الأمة ، ولو سامحنا في كون المراد بعض الأمة لانهدم أساس إنكاره ، إذ لا شك في تأخر موته صلى الله عليه وآله وسلم عن بعض أمته ، وأنه قد مات قبله كثير من أمته ، ولو كان المراد بـ ( البعض ) الصحابة لزمه أن لا يذعن بموت أحد منهم ، ولم يتعين ذلك البعض بوجه آخر حتى يزعم تأخر موته صلى الله عليه وآله وسلم عنهم.
وبالجملة ، سوء الفهم وسخافة الرأي في مثل هذا الاستنباط مما لا يريب فيه عاقل ، والظاهر أن هذا الاعتلال مما تفطن به بعد حال الإنكار فدفع به بزعمه شناعة إنكاره.
ثم إنه أجاب شارح المقاصد [1] بوجه آخر ، وهو : أن ذلك الاشتباه كان لتشوش البال ، واضطراب الحال ، والذهول عن جليات الأحوال.
وحكى شارح كشف الحق [2] عن بعضهم أنه قال : كان هذا الحال من غلبة المحبة ، وشدة المصيبة ، وإن قلبه كان لا يأذن له أن يحكم بموت النبي صلى الله عليه وآله وسلم .. وهذا أمر كان قد عم جميع المؤمنين بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى جن بعضهم ، وأغمي على بعضهم من كثرة الهم ، واختبل بعضهم ، فغلب عمر شدة حال المصيبة ، فخرج عن حال العلم والمعرفة وتكلم بعدم موته وأنه ذهب إلى مناجاة ربه .. وأمثال هذا لا يكون طعنا.
ويرد عليه أنه من الضروريات العادية أن من عظمت عليه المصيبة وجلت الرزية بفقد حبيبه حتى اشتبهت عليه الأمور الضرورية لا يترك تجهيزه وتكفينه والصلاة عليه ودفنه ، ولا يسرع إلى السقيفة لعقد البيعة والطمع في الخلافة