الطعن الرابع :
يتكلف [1] وأن يخرج ألفاظه مخارج حسنة لطيفة ، فينزع به الطبع الجاسي والغريزة الغليظة إلى أمثال هذه اللفظات ، ولا يقصد بها سوءا ولا يريد بها تخطئة ولا ذما [2]! ، كما قدمناه في اللفظة التي قالها في مرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكاللفظات التي قالها عام الحديبية .. وغير ذلك [3] ، والله تعالى لا يجازي المكلف إلا بما نواه ، ولقد كانت نيته من أظهر [4] النيات وأخلصها لله سبحانه والمسلمين ، ومن أنصف علم أن هذا الكلام حق.
ويرد عليه أن اقتضاء الطبيعة واستدعاء الغريزة ـ التي جعله معذرة له ـ إن أراد أنه بلغ إلى حيث لم يبق [5] لعمر معه قدرة على إمساك لسانه عن التكلم بخلاف ما في ضميره ، بل كان يصدر عنه الذم في مقام يريد المدح ، والشتم في موضع يريد الإكرام ، ويخرج بذلك عن حد التكليف ، فلا مناقشة في ذلك ، لكن مثل هذا الرجل يعده العقلاء في زمرة المجانين ، ولا خلاف في أن العقل من شروط الإمامة.
وإن أراد أنه يبقى مع ذلك ما هو مناط التكليف فذلك مما ( لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ) ، فإن إبليس استكبر على آدم بمقتضى الجبلة النارية ومع ذلك استحق النار وشملته اللعنة إلى يوم الدين ، والزاني إنما يزني بمقتضى الشهوة التي جبله الله عليها ولا حيلة له فيها ، ومع ذلك يرجم ولا يرحم.
ونعم ما تمسك به في إصلاح هذه الكلمة من قول عمر ـ في مرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الرجل ليهذو ، أو إن الرجل ليهجر ـ ، ورده على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : حسبنا كتاب الله ، كما سيأتي [6] في مطاعنه مفصلاً