الطعن الرابع :
قال ـ ما حاصله ـ : إنه لا يبعد أن يقال : إن الرضا والسخط والحب والبغض وما شاكل ذلك [1] من الأخلاق النفسانية وإن كانت أمورا باطنة فإنها قد تعلم وتضطر الحاضرون إلى حصولها بقرائن أحوال يفيدهم العلم الضروري ، كما يعلم خوف الخائف وسرور المبتهج ... فغير منكر أن يقول قاضي القضاة إن المعلوم ضرورة من حال عمر تعظيم أبي بكر ورضاه بخلافته وتدينه بذلك ، فالذي اعترضه السيد به غير وارد عليه ، وأما الأخبار التي رواها عن عمر [2] فأخبار غريبة ما رأيناها في الكتب المدونة إلا في كتاب المرتضى وكتاب المستبشر [3] لمحمد بن جرير الطبري ـ الذي هو من رجال الشيعة ـ .. وأنت تعلم حال الأخبار الغريبة التي لا توجد في الكتب المدونة ، كيف هي؟.
وأورد عليه أن الأمور الباطنة والصفات النفسانية لا ريب في أنها قد تظهر [4] أحيانا بظهور آثارها وشهادة القرائن عليها ، لكن الاطلاع عليها ـ سيما على وجه العلم بها والجزم بحصولها ـ أمر متعسر ، سيما إذا قامت الدواعي إلى إخفائها وتعلق الغرض بسترها ، وأكثر ما يظن [5] به العلم في هذا الباب فهو من قبيل الظن ، بل من قبيل الوهم ، وجميعها ـ وإن اشتركت في تعسر العلم بها ـ إلا أنه في بعضها سيما في بعض الأشخاص ، وفي بعض الأحوال أشد ـ وكثيرا ما يظن المخالطون لرجل وخواصه وبطانته في دهر طويل أنه يتدين بدين أو يحب أحدا أو يبغضه ثم يظهر خلافه ، والدواعي إلى إخفاء عمر بغض أبي بكر أو عدم التدين بخلافته أمر واضح لا سترة به ، فإنه كان أساسا لخلافته واصلا لإمارته ، ومع ذلك كانت