الطعن الثاني :
انتدب في تلك الغزاة ، فيهم أبو بكر وعمر وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وأبو عبيدة وقتادة بن النعمان ، فتكلم قوم وقالوا : يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين؟! فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله غضبا شديدا ، فخرج وقد عصب على رأسه عصابة وعليه قطيفة ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، أيها الناس! فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأمير أسامة ، ولئن طعنتم في تأميري أسامة فقد طعنتم في تأميري أباه من قبله ، وايم الله إنه كان للإمارة لخليقا ، وإن ابنه من بعده لخليق للإمارة ، وإن [1] كان لمن أحب الناس إلي فاستوصوا به خيرا فإنه من خياركم.
ثم نزل فدخل بيته ، وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول ، وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون رسول الله صلى الله عليه وآله ويمضون إلى العسكر بالجرف ، وثقل رسول الله صلى الله عليه وآله ، فلما كان يوم الأحد اشتد برسول الله صلى الله عليه وآله وجعه ، فدخل أسامة من معسكره والنبي صلى الله عليه وآله مغمى عليه ، وفي رواية : قد أصمت وهو لا يتكلم فطأطأ رأسه فقبله رسول الله صلى الله عليه وآله ، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعهما على أسامة. قال : فعرفت أنه يدعو لي ، ورجع أسامة إلى معسكره ، فأمر الناس بالرحيل ، فبينا هو يريد الركوب إذا رسول أمه ـ أم أيمن ـ قد جاءه يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وآله يموت .. إلى آخر القصة.
وذكر ابن الأثير في الكامل [2] أن في المحرم من سنة إحدى عشرة ضرب رسول الله صلى الله عليه وآله بعثا إلى الشام وأميرهم أسامة بن زيد .. وذكر بعض ما مر ، وصرح بأنه كان منهم أبو بكر وعمر ، قال : وهما ثبتا [3] الناس على الرضا
- (1) كذا ، والظاهر : وإنه. ↩
- (2) الكامل في التاريخ لابن الأثير 2 334 336. ↩
- (3) قال في الصحاح 1 245 : وأثبته غيره وثبته بمعنى ، ويقال أثبته السقم : إذا لم يفارقه ، وقوله تعالى : « ليثبتوك » .. أي يجرحوك جراحة لا تقوم معها ، ونحوه في لسان العرب 2 19 20. وعليه فيحتمل أن يكون المعنى : أنهما يجرحان الناس ويعيبان عليهم لرضايتهم بإمارة أسامة. ويحتمل أن العبارة هكذا : ثبطا الناس عن الرضا أو تبطئا ... ↩