( باب 8 ) * ( قصص ذى القرنين )
هذه الرؤيا بعدت همته وعلا صوته وعز في قومه ، وكان أول ما أجمع عليه أمره أن قال : أسلمتلله عزوجل ، ثم دعا قومه إلى الاسلام فأسلموا هيبة له ، ثم أمرهم أن يبنوا له مسجدا فأجابوهإلى ذلك ، فأمر أن يجعل طوله أربعمائة ذراع ، وعرضه مائتي ذراع ، وعرض حائطه اثنين وعشرين ذراعا ، وعلوه [1] إلى السماء مائة ذراع ، فقالوا له : يا ذاالقرنين كيف لك بخشبيبلغ ما بين الحائطين؟ فقال لهم : إذا فرغتم من بنيان الحائطين فاكبسوه [2] بالترابحتى يستوي الكبس مع حيطان المسجد ، فإذا فرغتم من ذلك فرضتم على كل رجل منالمؤمنين على قدره من الذهب والفضة ، ثم قطعتموه مثل قلامة الظفر [3] وخلطتموه معذلك الكبس ، وعملتم له خشبا من نحاس وصفائح [4] تذيبون ذلك وأنتم متمكنون منالعمل كيف شئتم على أرض مستوية فإذا فرغتم من ذلك دعوتم المساكين لنقل ذلك الترابفيسارعون فيه [5] من أجل ما فيه من الذهب والفضة.
فبنوا المسجد ، وأخرج المساكين ذلك التراب ، وقد استقل [6] السقف بما فيه ، واستغنى المساكين ، فجندهم أربعة أجناد في كل جند عشرة آلاف ، ثم نشرهم في البلادوحدث نفسه بالسير فاجتمع إليه قومه فقالوا له : يا ذا القرنين ننشدك بالله لا تؤثر علينابنفسك غيرنا فنحن أحق برؤيتك ، وفينا كان مسقط رأسك ، وبيننا نشأت وربيت ، وهذهأموالنا وأنفسنا وأنت الحاكم فيها ، وهذه امك عجوز كبيرة هي أعظم خلق الله عليكحقا فليس ينبغي عليك أن تعصيها ولا تخالفها ، فقال لهم : والله إن القول لقولكم ، وإنالرأي لرأيكم ، ولكني بمنزلة المأخوذ بقلبه وسمعه وبصره ، يقاد ويدفع من خلفه ، لا يدريأين يؤخذ به ولا ما يراد به ، ولكن هلموا معشر قومي فادخلوا هذا المسجد واسلموا عنآخركم ولا تخالفوا علي فتهلكوا.