بحار الانوار – الجزء الاول – الصفحة 106

جلساءك إذا حدّثتهم ، واعلم أنَّ قلبك وعاءٌ فانظر ماذا تحشو به وعاءك ؟ واعرف الدنيا
وانبذها وراءك ، فإنّها ليست لك بدار ، ولا لك فيها محلّ قرار ، وإنّها جعلت بُلغةً
للعباد ليتزوّدوا منها للمعاد ، يا موسى وطّن نفسك (1) على الصبر تلقي الحلم ، واشعر
قلبك بالتقوى تنل العلم ، ورضّ نفسك على الصبر تخلّص من الإثم . يا موسى تفرّغ
للعلم إن كنت تريده فإنّما العلم لمن تفرّغ له ، ولا تكوننّ مكثاراً (2) بالمنطق مهذاراً (3)
إنّ كثرة المنطق تشين العلماء ، وتبدي مساوي السخفاء ولكن عليك بذي اقتصاد فإنّ
ذلك من التوفيق والسداد ، وأعرض عن الجهّال ، واحلم عن السفهاء فإنّ ذلك فضل
الحلماء وزين العلماء ، وإذا شتمك الجاهل فاسكت عنه سلماً ، وجانبه حزماً فإنَّ
ما بقي من جهله عليك وشتمه إيّاك أكثر . يا ابن عمران لا تفتحنّ باباً لا تدري ما غلقه ،
ولا تغلقنّ باباً لا تدري ما فتحه ، يا ابن عمران من لا ينتهي من الدنيا نهمته ولا تنقضي فيها
رغبته كيف يكون عابداً ؟ ومن يحقر حاله ويتّهم الله بما قضى له كيف يكون زاهداً ؟
يا موسى تعلّم ما تعلّم لتعمل به ولا تعلّم لتحدّث به فيكون عليك بوره ، ويكون على غيرك
نوره .

بيان : قال في الفائق : البور بالضمّ جمع بوار (4) وبالفتح المصدر ، وقد يكون
المصدر بالضمّ أيضاً .

19 ـ مع ، ج ، ع : الدقّاق ، عن الأسديّ ، عن صالح بن أبي حمّاد ، عن أحمد
ابن هلال ، عن ابن أبي عمير ، عن عبد المؤمن الأنصاريّ ، قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام :
إنَّ قوماً يروون أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : اختلاف أُمّتي رحمةٌ فقال : صدقوا . فقلت :
إن كان اختلافهم رحمةً فاجتماعهم عذاب ؟ قال : ليس حيث تذهب وذهبوا ، إنّما أراد
قول الله عزّ وجلّ : فلولا نفر من كلّ فرقة منهم طائفةٌ ليتفقّهوا في الدين ولينذروا قومهم

إذا رجعوا إليهم لعلّهم يحذرون . فأمرهم أن ينفروا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ويختلفوا
إليه ، فيتعلّموا ثمّ يرجعوا إلى قومهم فيعلّموهم ، إنّما أراد اختلافهم من البلدان
اختلافاً في دين الله ، إنّما الدين واحد .

________________________

(1) أي هيأ نفسك واحملها على الصبر .

(2) المكثار : كثير الكلام .

(3) رجل مهذار هاذر أي يخلط في منطقه ويتكلم بما لا ينبغي .

(4) وهو الهلاك والكساد .