بحار الانوار – الجزء الاول – الصفحة 88

البهائيّ رحمه الله : بضمّ الحرف المضارعة من أكسب والمراد أنّه يكسب الإنسان طاعة الله ،
أو يكسبه طاعة العباد له .

أقول : لا حاجة إلى نقله إلى باب الإفعال ، بل المجرّد أيضاً ورد بهذا المعنى ، بل
هو أفصح . قال الجوهريّ : الكسب : الجمع ، وكسبت أهلي خيراً وكسبت الرجل مالاً
فكسبه ، وهذا ممّا جاء فعلته ففعل انتهى . والضمير في « يكسبه » راجع إلى صاحب
العلم .

وفي نهج البلاغة : يكسب الإنسان الطاعة . وجميل الاُحدوثة أي الكلام
الجميل والثناء ، والاُحدوثة مفرد الأحاديث . وفي ف بعد ذلك : ومنفعة المال تزول
بزواله وهو ظاهر . مات خزّان الأموال وهم أحياء أي هم في حال حياتهم في
حكم الأموات ، لعدم ترتّب فائدة الحياة على حياتهم من فهم الحقّ وسماعه وقبوله
والعمل به ، واستعمال الجوارح فيما خلقت لأجله ، كما قال تعالى : أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ
وَمَا يَشْعُرُونَ
(1) . والعلماء بعد موتهم أيضاً باقون بذكرهم الجميل ، وبما حصل لهم من

السعادات واللذّات في عالم البرزخ ، والنشأة الآخرة ، وبما يترتّب على آثارهم و
علومهم ، وينتفع الناس من بركاتهم الباقية مدى الأعصار ، وعلى نسخة أمالي الشيخ
المراد أنّهم ماتوا ومات ذكرهم وآثارهم معهم ، والعلماء بعد موتهم باقون بآثارهم
وعلومهم وأنوارهم . قوله عليه السلام : وأمثالهم في القلوب موجودة قال الشيخ البهائيّ :
الأمثال جمع مثل بالتحريك فهو في الأصل بمعنى النظير استعمل في القول السائر الممثّل
مضربه بمورده ثمّ في الكلام الّذي له شأن وغرابة ، وهذا هو المراد ههنا أي أنَّ حكمهم
ومواعظهم محفوظةً عند أهلها يعملون بها . انتهى . ويحتمل أن يكون المراد بأمثالهم
أشباحهم وصورهم ، فإنَّ المحبّين لهم المهتدين بهم المقتدين لآثارهم يذكرونهم دائماً ،
وصورهم متمثّلةٌ في قلوبهم على أن يكون جمع مثل بالتحريك أو جمع مثل بالكسر
فإنّه أيضاً يجمع على أمثال . إنّ ههنا لعلماً ، وفي نهج البلاغة : لعلماً جمّاً أي كثيراً .
لو أصبت له حملة بالفتحات جمع حامل أي من يكون أهلاً له ، وجواب لو محذوف أي

لأظهرته ، أو لبذلته له ، مع أنَّ كلمة لو إذا كانت للتمنّي لا تحتاج إلى الجزاء عند كثير
من النحاة . بلى أصبت له لقناً وفي نهج البلاغة : اُصيب لقناً ، واللّقن بفتح اللّام وكسر
القاف : الفهم ، من اللّقانة وهي حسن الفهم . غير مأمون أي يذيعه إلى غير أهله ، ويضعه
في غير موضعه . يستعمل آلة الدين في الدنيا . وفي ف : في طلب الدنيا أي يجعل العلم
الّذي هو آلةٌ ووصلةٌ إلى الفوز بالسعادات الأبديّة آلةً ووسيلةً إلى تحصيل الحظوظ
الفانية الدنيويّة .

قوله عليه السلام : يستظهر بحجج الله على خلقه لعلّ المراد بالحجج والنعم أئمّة
الحقّ أي يستعين بهؤلاء ويأخذ منهم العلوم ليظهر هذا العلم للناس فيتّخذه ضعفاءُ العقول
بطانةً (2) ووليجةً ، ويصدّ الناس عن وليّ الحقّ ويدعوهم إلى نفسه ، ويحتمل أن يكون
المراد بالحجج والنعم العلم الذي آتاه الله ، ويكون الظرفان متعلّقين بالاستظهار أي
يستعين بالحجج للغلبة على الخلق ، وبالنعم للغلبة على العباد ، وغرضه من هذا الاستظهار
إظهار الفضل ليتّخذه الناس وليجةً ، قال الفيروزآباديّ : الوليجة : الدخيلة ، وخاصّتك
من الرجال أو من تتّخذه معتمداً عليه من غير أهلك . وفي ف : وبنعمة الله على معاصيه . أو
منقاداً لحملة العلم بالحاء المهملة وفي بعض النسخ بالجيم أي مؤمناً بالحقّ معتقداً له على
سبيل الجملة وفي ف : أو قائلاً بجملة الحقّ . لا بصيرة له في أحنائه بفتح الهمزة وبعدها
حاءٌ مهملةٌ ثمّ نون أي جوانبه ، أي ليس له غورٌ وتعمّقٌ فيه وفي بعض نسخ الكتابين
وفي ف وفي بعض نسخ النهج أيضاً في إحيائه ـ بالياء المثنّاة من تحت ـ أي في ترويجه
وتقويته . يقدح على صيغة المجهول يقال : قدحت النار . أي استخرجتها بالمقدحة ؛ وفي
ما يقتدح وفي النهج : ينقدح وعلى التقادير حاصله أنّه يشتعل نار الشكّ في قلبه بسبب أوّل
شبهة عرضت له ، فكيف إذا توالت وتواترت ؟ ألا لا ذا ولا ذاك . أي ليس المنقاد العديم
البصيرة أهلاً لتحمّل العلم ، ولا اللّقن الغير المأمون . وهذا الكلام معترض بين المعطوف
والمعطوف عليه . أو منهوماً باللذّات . أي حريصاً عليها منهمكاً فيها ، والمنهوم في الأصل
هو الّذي لا يشبع من الطعام . أقول : في أكثر نسخ الكتابين : فمنهوم أي فمن طلبة العلم ، 

________________________

(1) النحل : 21 .

(2) بطانة الرجل : اهله وخاصته .