بحار الانوار – الجزء الاول – الصفحة 54

يا هشام إن كان يغنيك ما يكفيك فأدنى ما في الدنيا يكفيك ، وإن كان لا يغنيك
ما يكفيك فليس شيء من الدنيا يغنيك .

يا هشام إنّ العقلاء تركوا فضول الدنيا فكيف الذنوب ؟ وترك الدنيا من الفضل
وترك الذنوب من الفرض .

يا هشام إنَّ العقلاء زهدوا في الدنيا ، ورغبوا في الآخرة ، لأنّهم علموا أنَّ الدنيا
طالبة ومطلوبة ، فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتّى يستوفي منها رزقه ، ومن طلب
الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه وآخرته .

يا هشام من أراد الغنى بلا مال ، وراحة القلب من الحسد ، والسلامة في الدين
فليتضرَّع إلى الله في مسألته ، بأن يكمل عقله ، فمن عقل قنع بما يكفيه ، ومن قنع
بما يكفيه استغنى ، ومن لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى أبداً .

يا هشام إنَّ الله جلَّ وعزَّ حكى عن قوم صالحين أنّهم قالوا : رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا
بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ
(1) . حين علموا أنَّ القلوب

تزيغ وتعود إلى عماها ورداها . إنّه لم يخف الله من لم يعقل عن الله ومن لم يعقل عن
الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصّرها ولم يجد حقيقتها في قلبه ، ولا يكون أحد كذلك
إلا من كان قوله لفعله مصدّقاً وسرُّه لعلانيته موافقاً لأنَّ الله لايدلُّ على الباطن الخفيّ
من العقل إلّا بظاهر منه وناطق عنه .

________________________

(1) آل عمران : 8