بحار الانوار – الجزء الاول – الصفحة 40

وإذا أتاك فقال لك : كم تعمل ؟ فقل طال ما عصيت . إنّ الله تبارك
وتعالى لمّا خلق السفلى فخرت وزخرت (1) وقالت : أي شيء يغلبني ؟ فخلق الأرض
فسطّحها على ظهرها فذلّت ، ثمّ إنّ الأرض فخرت وقالت : أي شيء يغلبني ؟ فخلق
الله الجبال فأثبتها على ظهرها أوتاداً من أن تميد (2) بها عليها فذلّت الارض واستقرّت
ثمّ إنّ الجبال فخرت على الأرض فشمخت (3) واستطالت وقالت أي شيء يغلبني ؟
فخلق الحديد فقطعها فذلّت ، ثمّ إنّ الحديد فخر على الجبال وقال : أي شيء يغلبني ؟
فخلق النار فأذابت الحديد فذلّ الحديد ، ثمّ إنّ النار زفرت (4) وشهقت (5) وفخرت
وقالت : أي شيء يغلبني ؟ فخلق الماء فأطفأها فذلّت ، ثمّ الماء فخر وزخر وقال :
أيّ شيء يغلبني ؟ فخلق الريح فحرّكت أمواجه وأثارت ما في قعره ، وحبسته عن
مجاريه فذلّ الماء ، ثمّ إنّ الريح فخرت وعصفت وقالت : أي شيء يغلبني ؟ فخلق
الإنسان فبنى واحتال ما يستتر به من الريح وغيرها فذلّت الريح ، ثمّ إنّ الإنسان
طغى وقال : من أشدّ منّي قوةً ؟ فخلق الموت فقهره فذلّ الإنسان . ثمّ إنّ الموت فخر
في نفسه فقال الله عزّ وجلّ : لا تفخر ، فإنّي ذابحك (6) بين الفريقين : أهل الجنّة وأهل النار
ثمّ لا اُحييك أبداً فخاف . ثمّ قال : والحلم يغلب الغضب ، والرحمة تغلب السخط ، والصدقة
تغلب الخطيئة .

بيان : قوله تعالى : بك أبداُ وبك اُعيد ، أي بك خلقت الخلق وأبدأتهم ، و
بك اُعيدهم للجزاء ، إذ لولا العقل لم يحسن التكليف ، ولولا التكليف لم يكن للخلق
فائدة ، ولا للثواب والعقاب والحشر منفعة ، ولا فيها حكمة .

قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : ومن الحلم العلم ، إذ بترك الحلم ينفر العلماء عنه ، فلا يمكنه التعلّم
منهم ، وأيضاً يسلب الله علمه عنه ، ولا يفيض عليه الحكمة بتركه ، كما سيأتي . والرشد :
الاهتداء والاستقامة على طريق الحقّ مع تصلّب فيه . والعفاف : منع النفس عن المحرّمات
والصيانة : منعها عن الشبهات والمكروهات ، فلذا تتفرّع على العفاف ، وبالصيانة ترتفع
الغواشي والأغطية عن عين القلب فيرى الحقَّ حقّاً ، والباطل باطلاً ، فيستحيي من ارتكاب
المعاصي ، وإذا استحكم فيه الحياء تحصل له الرزانة ، أي عدم الانزعاج عن المحرّكات
الشهوانيّة والغضبيّة ، وعدم التزلزل بالفتن ، إذ الحياء عن ربّه يمنعه عن أن يُؤثر شيئاً
على رضاه ، أو يترك للاُمور الدنيّة خدمة مولاه . والرزانة تصير وسيلةً إلى المداومة
على الخيرات ، والمداومة على الخيرات توجب تأييد الله تعالى لأن يكره الشرور ، فإذا
صار محبّاً للخير كارهاً للشرّ يطيع كلّ ناصح يدلّه على الخير الّذي يحبّه ، أو يزجره
عن الشرّ الّذي يكرهه وأمّا ما يتشعّب من الحلم فتشعّبها منه يظهر بأدنى تأمّل .
وبسط القول فيها يوجب الإطناب . والضعة بحسب الدنيا . والخساسة ما كان بسبب الأخلاق
الذميمة . والمهل أي تأخير العقوبة وعدم المبادرة بالانتقام .

وأمّا ما يتشعّب من العلم فالغنى . أي غنى النفس وإن كان فقيراً بلا مال ، و
يحتمل أيضا الغنى بالمال وان كان قبل العلم فقيراً . والجود أي يجود بالحقائق
على الخلق وإن كان بخيلاً في المال إمّا لعدمه أو لبخله ؛ أو المراد انّ العلم يصير
سبباً لجوده بالمال والعلم وغيرهما وإن كان قبل اتّصافه بالعلم بخيلاً . وتحصل له
المهابة ، وإن كان بحسب ما يصير بحسب الدنيا سبباً لها هيّناً لعدم شرف دنيويّ و
حسب ونسب ومال ، لكن بالعلم يُلقي الله مهابته في قلوب العباد ، وإن كان قبل العلم
هيّناً حقيراً ، والسلامة من العيوب وإن كان في بدنه سقيماً ، أو العلم يصير سبباً لشفاءه
عن الأسقام الجسمانيّة والروحانيّة . والقرب من الله وإن كان قصيّاً أي بعيداً عن كرام

 

________________________

(1) أي افتخرت .

(2) أي تتحرك وتضطرب .

(3) أي علت .

(4) أي سمع صوت توقّدها .

(5) لعل المراد بشهقتها ارتفاع نيرانها وشعلتها .

(6) لعل المراد بذبح الموت إعدام أسبابه .