بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 82

أشدَّ إنكار . قلت : فمن خلق القردة والخنازير إن كان الناس والنجوم خلقن أنفسهنّ ؟
فلا بدّ من أن تقول : إنّهنّ من خلق الناس ، أو خلقن أنفسهنّ ، أفتقول : إنّها من خلق
الناس ؟ قال : لا . قلت : فلا بدّ من أن يكون لها خالق أو هي خلقت أنفسها ؛ فإن قلت :
إنّها من خلق الناس أقررت أنَّ لها خالقاً ، فإن قلت : لا بدّ أن يكون لها خالق فقد
صدقت وما أعرفنا به ، ولئن قلت : إنّهنّ خلقن أنفسهنّ فقد أعطيتني فوق ما طلبت منك
من الإقرار بصانع . ثمَّ قلت : فأخبرني بعضهنّ قبل بعض خلقن أنفسهنّ أم كان ذلك في
يوم واحد ؟ فإن قلت : بعضهنّ قبل بعض فأخبرني السماوات وما فيهنّ والنجوم قبل
الأرض والإنس والذرّ خلقن أم بعد ذلك ؟ فإن قلت أنَّ الأرض قبل أفلا ترى قولك :
إنَّ الأشياء لم تزل قد بطل حيث كانت السماء بعد الأرض ؟ .

قال : بلى ولكن أقول : معاً جميعاً خلقن . قلت : أفلا ترى أنّك قد أقررت أنّها
لم تكن شيئاً قبل أن خلقن ، وقد أذهبت حجّتك في الأزليّة ؟ قال : إنّي لعلى حدّ
وقوف ، ما أدري ما اُجيبك فيه لأنّي أعلم أنَّ الصانع إنّما سمّي صانعاً لصناعته ، والصناعة
غير الصانع ، والصانع غير الصناعة لأنّه يقال للرجل : الباني لصناعته البناء ، والبناء
غير الباني والباني غير البناء ، وكذلك الحارث غير الحرث والحرث غير الحارث . قلت :
فأخبرني عن قولك : إنَّ الناس خلقوا أنفسهم فبكمالهم خلقوها أرواحهم وأجسادهم
وصورهم وأنفاسهم أم خلق بعض ذلك غيرهم ؟ قال : بكمالهم لم يخلق ذلك ولا شيئاً منهم
غيرهم .

قلت : فأخبرني الحياة أحبّ إليهم أم الموت ؟ قال : أو تشكُّ أنّه لا شيء أحبّ إليهم
من الحياة ، ولا أبغض إليهم من الموت ؟ قلت فأخبرني من خلق الموت الّذي يخرج أنفسهم
الّتي زعمت أنّهم خلقوها ؟ فإنّك لا تنكر أنَّ الموت غير الحياة ، وأنّه هو الّذي يذهب
بالحياة . فإن قلت : إنَّ الّذي خلق الموت غيرهم ، فإنَّ الّذي خلق الموت هو الّذي خلق
الحياة ؛ ولئن قلت : هم الّذين خلقوا الموت لأنفسهم أن هذا لمحال من القول ! وكيف
خلقوا لأنفسهم ما يكرهون إن كانوا كما زعمت خلقوا أنفسهم ؟ هذا ما يستنكر من ضلالك
أن تزعم أنَّ الناس قدروا على خلق أنفسهم بكمالهم وأنَّ الحياة أحبّ إليهم من الموت
وخلقوا ما يكرهون لأنفسهم ! .

قال : ما أجد واحداً من القولين ينقاد لي ولقد قطعته عليَّ قبل الغاية الّتي كنت
اُريدها . قلت : دعني فإنَّ من الدخول في أبواب الجهالات ما لا ينقاد من الكلام ، و
إنّما أسألك عن معلّم هذا الحساب الّذي علّم أهل الأرض علم هذه النجوم المعلّقة في
السماء . »

اقول : رجعنا إلى ما في النسخ المشهورة :

قال : ما أجد يستقيم أن أقول : إنّ أحداً من أهل الأرض وضع علم هذه النجوم
المعلّقة في السماء . قلت : فلا بدّ لك أن تقول : إنّما علّمه حكيم عليم بأمر السماء والأرض
ومدبّرهما . قال : إن قلت هذا فقد أقررت لك بإلهك الّذي تزعم إنّه في السماء . قلت :
أمّا أنك فقد أعطيتني أنَّ حساب هذه النجوم حقّ ، وأنّ جميع الناس ولدوا بها . قال :
الشكّ في غير هذا .

قلت : وكذلك أعطيتني أنَّ أحداً من أهل الأرض لم يقدر على أن يغيب مع هذه النجوم
والشمس والقمر في المغرب حتّى يعرف مجاريها ويطلع معها إلى المشرق . قال : الطلوع
إلى السماء دون هذا . قلت : فلا أراك تجد بدّاً من أن تزعم أنَّ المعلّم لهذا من السماء .
قال : لئن قلت أن ليس لهذا الحساب معلّم لقد قلت إذاً غير الحقّ ، ولئن زعمت أنّ
أحداً من أهل الأرض علم ما في السماء وما تحت الأرض لقد أبطلت لأنَّ أهل الأرض
لا يقدرون على علم ما وصفت لك من حال هذه النجوم والبروج بالمعاينة والدنوّ منها (1)
فلا يقدرون عليه لأنّ علم أهل الدنيا لا يكون عندنا إلّا بالحواسّ ، وما يدرك علم هذه
النجوم الّتي وصفت بالحواسّ لأنّها معلّقة في السماء وما زادت الحواسّ على النظر إليها
حيث تطلع وحيث تغيب ، فأمّا حسابها ودقائقها ونحوسها وسعودها وبطيئها وسريعها
وخنوسها ورجوعها فأنّى تدرك بالحواسّ أو يهتدى إليها بالقياس ؟ .

قلت : فأخبرني لو كنت متعلّماً مستوصفاً لهذا الحساب من أهل الأرض أحبّ إليك
أن تستوصِفه وتتعلّمه ، أم من أهل السماء ؟ قال : من أهل السماء ، إذ كانت النجوم معلّقة
فيها حيث لا يعلمها أهل الأرض .

________________________

(1) وفي نسخة : فاما الدنو .