بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 77

المسخّر بين السماء والأرض بمنزلة الدخان لا جسد له يلمس بشيء من الأرض و
الجبال ، يتخلّل الشجرة فلا يحرّك منها شيئاً ، ولا يهصر منها غصناً ، ولا يعلّق منها بشيء
يعترض الركبان فيحول بعضهم من بعض من ظلمته وكثافته ، ويحتمل من ثقل الماء و
كثرته ما لا يقدر على صفته ، مع ما فيه من الصواعق الصادعة ، والبروق اللّامعة ، والرعد
والثلج والبرد والجليد ما لا تبلغ الأوهام صفته ولا تهتدي القلوب إلى كنه عجائبه ، فيخرج
مستقلّاً في الهواء يجتمع بعد تفرّقه (1) ويلتحم بعد تزايله ، تفرِّقه الرياح (2) من الجهات
كلّها إلى حيث تسوقه بإذن الله ربّها ، يسفل مرّة ويعلو اُخرى ، متمسّك بما فيه من
الماء الكثير الّذي إذا أزجاه (3) صارت منه البحور ، يمرّ على الأراضي الكثيرة والبلدان
المتنائية لا تنقص منه نقطة ، (4) حتّى ينتهي إلى ما لا يحصى من الفراسخ فيرسل ما فيه قطرةً
بعد قطرة ، وسيلاً بعد سيل ، متتابع على رسله حتّى ينقع البرك (5) وتمتلي الفجاج ، و
تعتلي الأودية بالسيول كأمثال الجبال غاصّة بسيولها ، مصمخة الآذان لدويّها و
هديرها (6) فتحيى بها الأرض الميتة فتصبح مخضرّة بعد أن كانت مغبرّة ، ومعشّبة بعد
أن كانت مجدبة ، قد كسيت ألواناً من نبات عشب ناضرة زاهرة مزيّنة معاشاً للناس و
الأنعام ، فإذا أفرغ الغمام ماءه أقلع وتفرَّق وذهب حيث لا يعاين ولا يدرى أين توارى ،
فأدّت العين ذلك إلى القلب فعرف القلب أنَّ ذلك السحاب لو كان بغير مدبّر وكان ما
وصفت من تلقاء نفسه ما احتمل نصف ذلك من الثقل من الماء ، وإن كان هو الّذي يرسله
لما احتمله ألفي فرسخ أو أكثر ، ولأرسله فيما هو أقرب من ذلك ، ولما أرسله قطرة بعد
قطرة ، بل كان يرسله إرسالاً فكان يهدم البنيان ويفسد النبات ، ولما جاز إلى بلد و

ترك آخر دونه ؛ فعرف القلب بالأعلام المنيرة الواضحة أنَّ مدبّر الاُمور واحد ، وأنّه لو
كان اثنين أو ثلاثة لكان في طول هذه الأزمنة والأبد والدهر اختلاف في التدبير وتناقض
في الاُمور ولتأخّر بعض وتقدّم بعض ولكان تسفّل بعض ما قد علا ، ولعلا بعض ما
قد سفل ، ولطلع شيء وغاب فتأخّر عن وقته أو تقدّم ما قبله فعرف القلب بذلك أنَّ
مدبّر الأشياء ما غاب منها وما ظهر هو الله الأوَّل ، خالق السماء وممسكها ، وفارش
الأرض وداحيها ، وصانع ما بين ذلك مما عدّدنا وغير ذلك ممّا لم يحص .

وكذلك عاينت العين اختلاف اللّيل والنهار دائبين جديدين لا يبليان في طول
كرّهما ، ولا يتغيّران لكثرة اختلافهما ، ولا ينقصان عن حالهما ، النهار في نوره وضيائه ،
واللّيل في سواده وظلمته ، يلج أحدهما في الآخر حتّى ينتهي كلّ واحد منهما إلى غاية
محدودة معروفة في الطول والقصر على مرتبة واحدة ومجرى واحد ، مع سكون من
يسكن في اللّيل ، وانتشار من ينتشر في اللّيل ، وانتشار من ينتشر في النهار ، وسكون
من يسكن في النهار ، ثمَّ الحرّ والبرد وحلول أحدهما بعقب الآخر حتّى يكون الحرّ
برداً ، والبرد حرّاً في وقته وإبّانه ، فكلّ هذا ممّا يستدلّ به القلب على الربّ سبحانه
وتعالى ، فعرف القلب بعقله أنَّ من دبّر هذه الأشياء هو الواحد العزيز الحكيم الّذي
لم يزل ولا يزال ، وأنَّه لو كان في السماوات والأرضين آلهة معه سبحانه لذهب كلّ إله
بما خلق ، ولعلا بعضهم على بعض ، ولفسد كلّ واحد منهم على صاحبه .

وكذلك سمعت الأذن ما أنزل المدبِّر من الكتب تصديقاً لما أدركته القلوب
بعقولها ، وتوفيق الله إيّاها ، وما قاله من عرفه كنه معرفته بلا ولد ولا صاحبة ولا شريك
فأدّت الاُذن ما سمعت من اللّسان بمقالة الأنبياء إلى القلب .

شرح : قوله عليه‌السلام : ربّما ذهب الحواسّ إمّا بالنوم كما سيأتي أو بآفة فإنَّ العقل
لا محالة يدلّه على أن يشير إلى بعض ما يصلحه ، ويطلب ما يقيمه بأيّ وجه كان ، على أنَّ
ذهاب الحواسّ الخمس لا ينافي بقاء النطق . قوله عليه‌السلام : إلّا النزوع إلى الحواسّ أي
الاشتياق إليها ، والحاصل أنّا نوافقك ونستدلّ لك بما تدلّ عليه الحواسّ ؛ وإن كنت
رفضتها وتركيتها وسلّمت فيها مضى كونها معزولة عن بعض الأشياء فنقول : إنَّ حكم
________________________

(1) وفي نسخة : ينفجر بعد تمسكه .

(2) وفي نسخة : تصفقه الرياح .

(3) ازجاه أي دفعه برفق .

(4) وفي نسخة : لا تقطر منه قطرة .

(5) بكسر الباء وفتح الراء جمع بركة : مستنقع الماء الحوض .

(6) وفي نسخة : ومصممة الاذان لدويّها وهديرها .